تقرير البحرين / المنامة/ شهد القطاع السياحي في مملكة البحرين تحولًا اقتصاديًا واضحًا لم يعد مجرد تعافٍ بعد الجائحة، بل أصبح مسارًا استراتيجيًا يعزز مكانة القطاع داخل الاقتصاد الوطني، ومن الجميل أن هذا التحول تقوده قيادة نسائية شابة تمثل مكسبًا وطنيًا حقيقيًا، تجسدها الأستاذة فاطمة بنت جعفر الصيرفي وزيرة السياحة، والأستاذة سارة أحمد بوحجي الرئيس التنفيذي لـ هيئة البحرين للسياحة والمعارض، ولم يكن حضورهما في إدارة القطاع حضورا تقليديا، بل جاء بأسلوب حديث ينظر إلى السياحة باعتبارها صناعة متكاملة تساهم بشكل مباشر في الناتج المحلي، وتوفر فرص عمل، وتجذب الاستثمارات، وتعزز سمعة البحرين على المستوى الدولي.
لقد قدمتا نموذجًا لقيادة واعية تفهم التحولات الاقتصادية العالمية، وتتعامل مع السياحة كأداة حقيقية لتنويع الاقتصاد، وهو ما يؤكد أن اختيارهما لهذه المسؤوليات الوطنية كان في محله، وأن الأداء المتحقق يعكس ثقة القيادة برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء في كفاءتهما وقدرتهما على الإنجاز، وأن هذه الثقة لم تُخيب.
وعند النظر إلى الأرقام خلال السنوات الماضية، يتضح أن ما حدث يعتبر قفزة نوعية، ففي عام 2019، قبل الجائحة، كانت مساهمة السياحة في الناتج المحلي الإجمالي تُقدَّر بنحو 4% تقريبًا، وبحلول عام 2024 ارتفعت هذه النسبة إلى نحو 6.8%، أي ما يقارب 7%، وهذا يعني أن أهمية القطاع داخل الاقتصاد البحريني زادت بنحو 70% خلال خمس سنوات فقط، وعند حساب معدل النمو السنوي لهذه المساهمة بين 2019 و2024، نجد أنه يقارب 11% سنويًا، وهو معدل مرتفع يعكس توسعًا حقيقيًا في حجم القطاع ودوره داخل الاقتصاد، وليس مجرد تعويض لفترة ركود.
تحسن جودة التجربة السياحية
أما من ناحية الإيرادات، فقد ارتفعت العائدات السياحية المباشرة من حوالي 1.2 إلى 1.3 مليار دينار بحريني قبل الجائحة، إلى نحو 1.9 مليار دينار في عام 2024، أي بزيادة تقارب 600 إلى 700 مليون دينار خلال خمس سنوات. ويعادل ذلك معدل نمو سنوي يتراوح بين 7% و8%، رغم الظروف العالمية الصعبة في عامي 2020 و2021. كما بلغ عدد الزوار في عام 2024 نحو 14.9 مليون زائر، مع ارتفاع في عدد الليالي السياحية ومتوسط إنفاق الزائر، وهو ما يدل على تحسن جودة التجربة السياحية وليس فقط زيادة الأعداد.
وفي ذات السياق سجّلت السياحة الثقافية والتراثية في مملكة البحرين أداءً متقدّمًا خلال عام 2025، مدعومةً بنمو مؤشرات القطاع السياحي والضيافة، إذ استقطبت المواقع الأثرية والثقافية أكثر من 2.04 مليون زائر وفقًا للبيانات الرسمية، في وقتٍ واصلت فيه أنشطة خدمات الإقامة والطعام تسجيل نمو إيجابي بلغ 1.5% خلال الربع الثالث من العام 2025 على أساس سنوي.
المؤشرات الأحدث لعام 2025 تؤكد استمرار هذا المسار التصاعدي، حيث تجاوز عدد الزوار حاجز 15 مليون زائر، في دليل واضح على نجاح استراتيجية السياحة 2022–2026 في توسيع الأسواق المستهدفة وزيادة القدرة الاستيعابية للمملكة. وتسعى البحرين إلى رفع الإنفاق السياحي الوافد إلى نحو 2 مليار دينار بحريني بحلول عام 2026، كما تتجه الرؤية الحكومية إلى رفع مساهمة السياحة في الناتج المحلي الإجمالي إلى 11.4%. وإذا تحقق هذا الهدف، فإن القطاع سيصبح من الركائز الأساسية في الاقتصاد غير النفطي، مدعومًا بمشاريع ترفيهية واستثمارية كبرى، وتطوير مستمر للبنية التحتية، وتعزيز الشراكات الدولية.
البحرين تصدرت معدلات النمو
ومن أهم المؤشرات على نجاح هذه المرحلة أن البحرين تصدرت معدلات نمو السياحة في الشرق الأوسط لعام 2025 وفق تقارير دولية متخصصة في صناعة السفر. هذا التقدم الإقليمي لا يعكس فقط زيادة في أعداد الزوار، بل يعكس تحسنًا في جودة المنتج السياحي، وفاعلية السياسات الترويجية، وكفاءة إدارة القطاع. فعندما تتفوق دولة بحجم البحرين على وجهات أكبر في معدل النمو، فإن ذلك يدل على أداء متميز قائم على رؤية واضحة وتنفيذ منظم.
وقد أكدت الوزيرة فاطمة الصيرفي في أكثر من مناسبة دولية أن السياحة أصبحت “ركيزة أساسية في مسار التنويع الاقتصادي”، موضحة أن التركيز لا ينصب فقط على زيادة عدد الزوار، بل على جذب استثمارات نوعية ورفع القيمة المضافة لكل سائح، وتعزيز السياحة الثقافية والبحرية وسياحة الأعمال. وقد لاقت هذه الرؤية إشادات في المنتديات السياحية الدولية، حيث تم إبراز تجربة البحرين في سرعة التعافي وتنظيم الفعاليات الكبرى وفق معايير عالمية.
تعزيز الانفاق السياحي
أما سارة بوحجي فقد ترجمت هذه الرؤية إلى نتائج عملية، خاصة في قطاع الاجتماعات والمؤتمرات والمعارض، الذي يُعد من أعلى القطاعات عائدًا للفرد. ومع تشغيل مركز المعارض العالمي، ارتفعت قدرة البحرين على استقطاب فعاليات دولية كبيرة، ما يعزز الإنفاق السياحي ويرفع مساهمة القطاع في سلاسل القيمة المرتبطة بالفنادق والمطاعم ووسائل النقل والخدمات المختلفة. وقد شددت بوحجي في تصريحاتها على أن البحرين لا تسعى فقط إلى زيادة الأعداد، بل إلى جذب فعاليات واستثمارات ذات أثر طويل الأمد، وهو توجه يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الاستثمار السياحي الحديث.
وجاء الاعتراف الدولي بأدائها واضحًا عندما اختيرت ضمن قوائم Forbes Middle East لأقوى القيادات في قطاع السفر والسياحة في المنطقة، وهو تصنيف يعكس تقديرًا دوليًا لمستوى القيادة والنتائج المتحققة، ويعزز ثقة المستثمرين العالميين في استقرار القطاع واستمرارية أدائه.
ولا يمكن قراءة هذا النجاح بمعزل عن السياسة الاقتصادية الأشمل التي تقودها الحكومة برئاسة سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، والتي تقوم على تنويع الاقتصاد، ودعم القطاع الخاص، وتهيئة بيئة استثمارية مرنة ومستقرة. إن ما تحقق في قطاع السياحة يعكس نجاح هذا النهج، حيث أصبحت القطاعات غير النفطية- وفي مقدمتها السياحة – محركات حقيقية للنمو وليست مجرد قطاعات مساندة.
في المحصلة، فإن ما تحقق في قطاع السياحة البحريني خلال السنوات الأخيرة يؤكد ما تتمتع به المملكة من كفاءات وطنية قادرة على فهم التحديات الاقتصادية التي يشهدها العالم اليوم والتعامل معها بوعي ومسؤولية. ففي ظل تقلبات اقتصادية عالمية وأزمات تؤثر أحيانًا في حركة النمو والاستثمار، استطاعت البحرين أن تحافظ على مسار تصاعدي مستقر في أحد أهم قطاعاتها غير النفطية. وهي، إلى جانب ذلك، غنية بمواردها الطبيعية ومقوماتها الحضارية والتراثية التي منحها الله إياها، والتي تسهم بشكل كبير في تعزيز جاذبيتها السياحية، وتمنحها ميزة تنافسية تدعم قدرتها على الاستمرار في تحقيق نمو متوازن ومستدام.