الرئيسية / أخبار / الرسائل والمعاني العميقة لكلمات صاحبة السمو إلى المرأة البحرينية..بقلم: نبيلة رجب
نبيلة رجب
نبيلة رجب

الرسائل والمعاني العميقة لكلمات صاحبة السمو إلى المرأة البحرينية..بقلم: نبيلة رجب

 


الشهادةُ أصدق من المديح. المديح يُقال في المناسبات ويُنسى، أما الشهادة فتبقى لأنها تخرج من القلب لا من المقام. صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة، قرينة صاحب الجلالة المعظم، رئيسة المجلس الأعلى للمرأة، اختارت في ظل ما تمر به منطقتنا أن توجه كلمة إلى المرأة البحرينية، لتشهد لها بما تستحق. وبين المديح والشهادة فرقٌ يعرفه كل من ذاق الاثنين.

قالت سموّها: «ما يعرفه كل من عاش هذه المرحلة الاستثنائية. أن الوطن في ساعات الشدة لا يسأل عن الأسماء، يسأل عن المواقف. والمرأة البحرينية أجابت بلا تردد، طمأنت أطفالها وأخفت خوفها عنهم، لم تغادر موقعها في العمل، وظل صمتها الذي اختارته قوةً لا ضعفاً».

وتوقفتُ طويلاً عند ما قالته عن البيت. فهو المدرسة الأولى التي تعلّم فيها الطفل ما معنى الوطن، قبل أن يعرف اسمه كاملاً. الأم التي تُبقي البيت دافئاً في أشد اللحظات برودة، والجدة التي تحكي وعيناها تقولان أكثر مما تقول الكلمات، هؤلاء لم يدرسن في كتب التاريخ، لكن التاريخ لم يقم من دونهن.

ولستُ بعيدة عما وصفته. عشتُ هذه الأيام بكل ثقلها، وما رأيتُه لم تنقله نشرات الأخبار. رأيتُ أماً تُغلق نشرة الأخبار كلما دخل أطفالها الغرفة، وتُكمل إعداد العشاء بابتسامة تُحارب بها الخوف قبل أن تُطعم بها أولادها. ورأيتُ موظفةً تخرج كل صباح وهي تعرف ما تعرفه، لأن الوطن لا يُبنى بالبيوت الموصدة. هؤلاء لم تُضِئْ عليهن الكاميرات، لكنهن كنّ الضوء.

وللدعاء في رسالة سموّها مكانة خاصة. فالمرأة التي ترفع يديها في جوف الليل، تعرف أين تضع ثقلها. واستشهادها بقوله تعالى (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) كان اختياراً من القلب. وفي زمن تعلو فيه أصوات كثيرة، يبقى الدعاء الصادق أعلاها وأبقاها.

وفي رسالتها صورةٌ بالغة الدقة: «المرأة البحرينية تملك سلاح الوعي كما حملت أمهاتها سلاح الصبر». وهذه الكلمات تلامس شيئاً تعرفه كل امرأة منّا. الوعي لا يُولد فجأة، يتشكّل ببطء في بيوت علّمت أبناءها قبل أن تعلّمهم المدارس، وفي صمت أمهات حملن أكثر مما أعلنّ. هو ليس ترفاً فكرياً، هو أداة من تعرف أن الكلمة الصحيحة في اللحظة الصحيحة تصنع فارقاً، وأن الأم التي تُحسن تربية أبنائها على قيم الوطن تبني ما لا تبنيه الجيوش.

هذا ليس تحولاً، هو تراكم. جيل علّم جيلاً، وأم زرعت في ابنتها ما لم تجد له اسماً، فوجدته البنت في أصعب اللحظات. الصبر لم يذهب، تجذّر وأينع وعياً. والمرأة التي تصمد لا تصمد من فراغ، تصمد لأن في عروقها تاريخاً طويلاً من النساء اللواتي لم يُسأل عنهن أحد، وكنّ مع ذلك العمود الذي لا يُرى ولا يسقط.

وما لفت قلبي أن سموّها خاطبت المرأة البحرينية مباشرة، امرأة تخاطب امرأة، بلغة من يعرف ما يقول لأنه عاش ما يقول. وفي هذه المخاطبة المباشرة كرامة قبل أن تكون مجاملة.

وفي الكلمة حنوٌ لا تُخطئه القلوب. من يقرأها يحسّ أن وراء كل جملة قلباً كبيراً يعرف كيف يحمل ما تعجز الكلمات عن قوله. كلماتٌ رأت فيها كل امرأة منّا ما أخفته عن الجميع، ذلك الخوف المكتوم، والتعب الذي لا يُعلن، والقوة التي تُنفق في صمت. وهذا بالذات هو ما جعلها تصل إلى القلوب قبل أن تصل إلى العقول.

وشبّهت سموّها المرأة البحرينية بالنخلة. والنخلة في وجداننا ليست مجرد شجرة، هي من تعرف كيف تعطي في الجدب قبل الخصب، وتصمد حيث لا تصمد غيرها، وتبقى خضراء حتى في أشد الرياح. هذه المرأة التي وصفتها سموّها لا تنتظر أن تهدأ العاصفة لتقف، هي واقفة أصلاً، وستظل.

لهذا كانت تلك الكلمة أكثر من رسالة. كانت مرآة عكست للمرأة البحرينية صورتها الحقيقية في أجمل تجلياتها. ونحن النساء اللواتي عشنا هذه الأيام وما زلنا، نعرف أن الشهادة الحقيقية لا تحتاج إلى مناسبة ولا إلى منصة. تحتاج فقط إلى قلب يرى. وسموَّها رأت.

rajabnabeela@gmail.com