الرئيسية / أخبار / من القاعة إلى فضاءات الحياة.. لقاء الطفل بغير الحاضن-بقلم: نبيلة رجب

من القاعة إلى فضاءات الحياة.. لقاء الطفل بغير الحاضن-بقلم: نبيلة رجب

حين‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬الحضانة‭ ‬في‭ ‬المحاكم،‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬إجراء‭ ‬قانوني‮»‬‭ ‬و«تنظيم‭ ‬للعلاقة‭ ‬الأسرية‮»‬‭. ‬لكن‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الطفل،‭ ‬الأمر‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬حكم‭ ‬يصدر‭ ‬ثم‭ ‬يُحفظ‭ ‬في‭ ‬ملف‭. ‬إنه‭ ‬واقع‭ ‬يعيشه‭ ‬كل‭ ‬يوم‭: ‬أين‭ ‬سينام‭ ‬الليلة؟‭ ‬من‭ ‬سيكون‭ ‬بجانبه‭ ‬حين‭ ‬يستيقظ؟‭ ‬من‭ ‬سيسأله‭ ‬عن‭ ‬يومه‭ ‬في‭ ‬المدرسة؟

هذه‭ ‬التفاصيل‭ ‬الصغيرة‭ ‬تتحول‭ ‬مع‭ ‬الوقت‭ ‬إلى‭ ‬ذاكرة‭ ‬يحملها‭ ‬الطفل‭. ‬وما‭ ‬نقرره‭ ‬نحن‭ ‬الكبار‭ ‬اليوم‭ ‬سيحمله‭ ‬هو‭ ‬غدًا‭ ‬في‭ ‬علاقته‭ ‬بوالديه‭ ‬وبنفسه‭.‬

القانون‭ ‬البحريني‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشأن؛‭ ‬فالمادة‭ (‬123‭) ‬من‭ ‬قانون‭ ‬الأسرة‭ ‬رقم‭ (‬19‭) ‬لسنة‭ ‬2017‭ ‬تنص‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الحضانة‭ ‬هي‭ ‬حفظ‭ ‬الطفل‭ ‬وتربيته‭ ‬ورعايته‭ ‬اليومية،‭ ‬بينما‭ ‬تبقى‭ ‬القرارات‭ ‬الكبرى‭ ‬مثل‭ ‬التعليم‭ ‬والسفر‭ ‬والعلاج‭ ‬من‭ ‬حق‭ ‬الولي‭.‬

تعريف‭ ‬جيد‭ ‬على‭ ‬الورق،‭ ‬لكن‭ ‬السؤال‭ ‬الحقيقي‭: ‬هل‭ ‬يترجم‭ ‬هذا‭ ‬إلى‭ ‬حياة‭ ‬مستقرة‭ ‬للطفل‭ ‬فعلاً؟‭ ‬هل‭ ‬يشعر‭ ‬الطفل‭ ‬بهذا‭ ‬التوازن‭ ‬الذي‭ ‬يتحدث‭ ‬عنه‭ ‬القانون،‭ ‬أم‭ ‬أنه‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬دوامة‭ ‬بين‭ ‬طرفين‭ ‬متنازعين؟

الطفل‭ ‬لا‭ ‬يقرأ‭ ‬القوانين‭. ‬هو‭ ‬يعيش‭ ‬التفاصيل‭ ‬اليومية‭ ‬التي‭ ‬تحيط‭ ‬به‭: ‬مكان‭ ‬اللقاء،‭ ‬طريقة‭ ‬الاستقبال،‭ ‬ونظرات‭ ‬من‭ ‬حوله،‭ ‬وما‭ ‬تتركه‭ ‬هذه‭ ‬اللحظات‭ ‬من‭ ‬شعور‭ ‬بالراحة‭ ‬أو‭ ‬التوتر‭ ‬داخله‭.‬

هذه‭ ‬اللحظات‭ ‬هي‭ ‬ما‭ ‬يبقى‭ ‬معه،‭ ‬ليس‭ ‬نص‭ ‬الحكم‭. ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الحضانة‭ ‬مستقرة،‭ ‬ينشأ‭ ‬الطفل‭ ‬أكثر‭ ‬اطمئناناً‭. ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬صراع،‭ ‬أو‭ ‬اختُزلت‭ ‬في‭ ‬لقاء‭ ‬محرج‭ ‬داخل‭ ‬غرفة‭ ‬مغلقة،‭ ‬فقد‭ ‬يكبر‭ ‬وهو‭ ‬يشعر‭ ‬أن‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يختار‭: ‬إما‭ ‬يرضي‭ ‬والدته،‭ ‬وإما‭ ‬يرضي‭ ‬والده‭.‬

والحقيقة‭ ‬أن‭ ‬المسألة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬الساعات،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬نوعيتها‭. ‬ساعة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬حديقة‭ ‬أو‭ ‬مقهى‭ ‬عائلي‭ ‬حيث‭ ‬يشعر‭ ‬الطفل‭ ‬بالراحة‭ ‬أفضل‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬ثلاث‭ ‬ساعات‭ ‬في‭ ‬مكتب‭ ‬رسمي‭ ‬يشعر‭ ‬فيها‭ ‬أنه‭ ‬تحت‭ ‬المراقبة‭. ‬الطفل‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬لقاء‭ ‬هادئ،‭ ‬طبيعي،‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الأجواء‭ ‬الثقيلة‭ ‬التي‭ ‬تذكّره‭ ‬دائماً‭ ‬بأن‭ ‬هناك‭ ‬خلافاً‭ ‬بين‭ ‬أبويه‭.‬

ينص‭ ‬القانون‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬لقاء‭ ‬الطفل‭ ‬بوالده‭ ‬غير‭ ‬الحاضن‭ ‬في‭ ‬زمان‭ ‬ومكان‭ ‬لا‭ ‬يسبب‭ ‬له‭ ‬ضررًا‭. ‬ويظل‭ ‬اختيار‭ ‬المكان‭ ‬جزءًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة،‭ ‬لما‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬أثر‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬اللقاء،‭ ‬وفي‭ ‬شعور‭ ‬الطفل‭ ‬خلاله‭.‬

في‭ ‬وقت‭ ‬سابق،‭ ‬طُرح‭ ‬مقترح‭ ‬نيابي‭ ‬يتصل‭ ‬بآلية‭ ‬تنفيذ‭ ‬لقاء‭ ‬الطفل‭ ‬بوالده‭ ‬غير‭ ‬الحاضن‭ ‬في‭ ‬الحالات‭ ‬التي‭ ‬يتعذّر‭ ‬فيها‭ ‬تنظيم‭ ‬الزيارة‭ ‬باتفاق‭ ‬الوالدين،‭ ‬ويقضي‭ ‬بتوسيع‭ ‬دائرة‭ ‬أماكن‭ ‬اللقاء‭ ‬خارج‭ ‬الإطار‭ ‬الرسمي‭ ‬المعتمد‭ ‬حاليًا‭.‬

المقترح‭ ‬يتيح‭ ‬لقاء‭ ‬الطفل‭ ‬بوالده‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬مألوفة‭ ‬له،‭ ‬بما‭ ‬يجعل‭ ‬اللقاء‭ ‬أقل‭ ‬وطأة‭ ‬عليه‭ ‬وأكثر‭ ‬انسجامًا‭ ‬مع‭ ‬يومه‭ ‬العادي‭.‬

وهذا‭ ‬التوجه‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬قانون‭ ‬الطفل‭ ‬البحريني‭ (‬2012‭) ‬الذي‭ ‬وضع‭ ‬‮«‬المصلحة‭ ‬الفضلى‭ ‬للطفل‮»‬‭ ‬كأساس‭ ‬لأي‭ ‬قرار‭ ‬يخصه‭.‬

تُشير‭ ‬المذكرة‭ ‬الإيضاحية‭ ‬للمقترح‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الهدف‭ ‬هو‭ ‬تطوير‭ ‬آلية‭ ‬تنفيذ‭ ‬الزيارات‭ ‬بين‭ ‬الطفل‭ ‬والوالد‭ ‬غير‭ ‬الحاضن‭ ‬بإدراج‭ ‬أماكن‭ ‬جديدة‭ ‬للقاء‭ ‬لتشمل‭ ‬فضاءات‭ ‬عامة‭ ‬آمنة‭ ‬وحيادية،‭ ‬مثل‭ ‬المجمعات‭ ‬والمقاهي‭ ‬العائلية‭ ‬وأماكن‭ ‬الألعاب،‭ ‬بما‭ ‬يحقق‭ ‬بيئة‭ ‬نفسية‭ ‬صحية‭ ‬للطفل‭ ‬ويخفف‭ ‬من‭ ‬ارتباط‭ ‬اللقاء‭ ‬بالطابع‭ ‬القضائي‭ ‬أو‭ ‬النزاع‭ ‬الأسري‭.‬

هذا‭ ‬التفصيل‭ ‬يعكس‭ ‬تقاربًا‭ ‬عمليًا‭ ‬بين‭ ‬النص‭ ‬القانوني‭ ‬والتطبيق‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬ويعزز‭ ‬التواصل‭ ‬العاطفي‭ ‬الطبيعي‭ ‬بين‭ ‬الطفل‭ ‬ووالده‭ ‬الزائر‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الأجواء‭ ‬الرسمية‭ ‬المغلقة‭.‬

إذا‭ ‬كان‭ ‬القانون‭ ‬يعترف‭ ‬بحق‭ ‬الطفل‭ ‬في‭ ‬الرعاية‭ ‬والحماية‭ ‬والنمو‭ ‬السليم،‭ ‬فترتيبات‭ ‬الحضانة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تُقاس‭ ‬بمعيار‭ ‬واحد‭: ‬هل‭ ‬تخدم‭ ‬استقراره‭ ‬النفسي؟

بفضل‭ ‬الله‭ ‬خطت‭ ‬البحرين‭ ‬خطوات‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭: ‬قانون‭ ‬للأسرة،‭ ‬قانون‭ ‬خاص‭ ‬بالطفل،‭ ‬ومقترحات‭ ‬نيابية‭ ‬تراعي‭ ‬البعد‭ ‬النفسي‭ ‬والاجتماعي‭. ‬هذا‭ ‬يستحق‭ ‬التقدير‭ ‬والإشادة‭ ‬فعلاً‭.‬

لكن‭ ‬التشريع‭ ‬وحده‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭.. ‬التطبيق‭ ‬هو‭ ‬الأهم‭. ‬وهنا‭ ‬يمكننا‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬تجارب‭ ‬عربية‭ ‬ناجحة‭.‬

في‭ ‬تونس،‭ ‬يُستشار‭ ‬أخصائيون‭ ‬نفسيون‭ ‬قبل‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬الحضانة‭. ‬وفي‭ ‬المغرب،‭ ‬أماكن‭ ‬اللقاء‭ ‬تشمل‭ ‬مراكز‭ ‬عائلية‭ ‬مخصصة‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬المحاكم‭.‬

البحرين‭ ‬لديها‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬التجارب‭ ‬وتطويرها‭ ‬بما‭ ‬يناسب‭ ‬واقعها‭.‬

الطفل‭ ‬الذي‭ ‬يلتقي‭ ‬أباه‭ ‬في‭ ‬جو‭ ‬مريح‭ ‬وطبيعي‭ ‬سينشأ‭ ‬أكثر‭ ‬توازناً‭ ‬وثقة‭. ‬والطفل‭ ‬الذي‭ ‬يشعر‭ ‬بالأمان‭ ‬في‭ ‬علاقته‭ ‬مع‭ ‬والديه‭ ‬سيكون‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬علاقات‭ ‬صحية‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬كلها‭.‬

الأمر‭ ‬بهذه‭ ‬البساطة،‭ ‬وبهذه‭ ‬الأهمية‭.‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com