الرئيسية / أخبار / اين اختفى معماريو القرن التاسع عشر (1800-1900م) ؟ ..بقلم منى الروبي
منى الروبي

اين اختفى معماريو القرن التاسع عشر (1800-1900م) ؟ ..بقلم منى الروبي

منذ بدايات القرن التاسع عشر تنتشر في مختلف بقاع العالم مبانٍ هائلة الحجم يقال إنها شُيّدت في الفترة الممتدة من عام 1800 وما بعده، مبانٍ تعتمد بشكل واضح على الرخام الثقيل، والأعمدة العملاقة، والتفاصيل المعمارية الدقيقة تماثيل تكاد تكون حقيقية.  التي لا تزال تثير الدهشة حتى اليوم. وعند التأمل في هذه الصروح، يتسلل إلى ذهن القارئ تساؤل هادئ وغير مباشر حول الكيفية والزمن والإمكانات التي أُنجزت بها، خاصة إذا استحضرنا أن الحياة في ذلك العصر كانت تعتمد أساساً على العربات التي تجرها الخيول، وأن أدوات البناء والنقل كانت محدودة مقارنة بما نعرفه اليوم.

في الولايات المتحدة تقف (مكتبة الكونغرس) في واشنطن كأحد أضخم المباني الثقافية في العالم، بمساحة تقترب من مليوني قدم مربعة، وتضم مئات القاعات وآلاف الغرف، مع قباب رخامية وزخارف حجرية شديدة الدقة. وفي بريطانيا يبرز مبنى البرلمان في لندن، المعروف بقصر وستمنستر، بمساحة تقارب ثمانية أفدنة ويضم أكثر من ألف ومئة غرفة، إلى جانب برج ساعة بيغ بن الشهير بأجراسه العملاقة التي يزن أكبرها أكثر من ثلاثة عشر طناً، وتعلو فوق بناء حجري مهيب بنوافذ شاهقة الارتفاع.

في فرنسا يقف (قصر فرساي) بما يزيد على ألفي غرفة ومساحة هائلة، إلى جانب متحف اللوفر الذي يغطي أكثر من مئتي ألف متر مربع، وفي إسبانيا يظهر (القصر الملكي) في مدريد بمساحة تقارب مئة وثلاثة وثلاثين ألف متر مربع ويضم أكثر من ثلاثة آلاف غرفة. هذه المباني لا تُبهر بحجمها فقط، بل بتناسقها الهندسي وتماثيلها الدقيقة التي تبدو أدق من أن تكون نتاج أدوات بدائية بسيطة.

أما روسيا، فتقدم مجموعة من أضخم الأمثلة المعمارية في العالم، (متحف الإرميتاج) يمتد على مساحة تزيد على مئتي ألف متر مربع ويضم أكثر من ألف غرفة، بينما يحتوي قصر الشتاء على ما يقارب ألف وخمسمئة غرفة، دقة التماثيل والنقوش الحجرية هناك توحي بمعرفة متقدمة بالتشكيل والحساب، ويضاف إلى ذلك محطات القطارات القديمة في سانت بطرسبرغ وموسكو، ذات الأنفاق الواسعة والقباب المرتفعة التي شُيدت منذ بدايات السكك الحديدية.

في النمسا يقف (قصر شونبرون) بمساحة تتجاوز مئة وستين ألف متر مربع وأكثر من ألف وأربعمئة غرفة، وفي ألمانيا يظهر (مبنى الرايخستاغ) في برلين بمساحة تقارب ستين ألف متر مربع وقبة ضخمة ونظام إنشائي ثقيل، وفي تركيا يبرز (قصر دولمة بهجة) بمساحة تقارب خمسة وأربعين ألف متر مربع ونحو مئتين وخمسٍ وثمانين غرفة، مع واجهات رخامية وثريات تزن أطناناً، وفي أوروبا الشرقية، يلفت مبنى البرلمان المجري في بودابست، إضافة إلى قصر البرلمان في بوخارست الذي تتجاوز مساحته ثلاثمئة ألف متر مربع ويضم أكثر من ألف غرفة، وفي الهند يقف مبنى (فيكتوريا التذكاري) في كلكتا، المشيد من الرخام الأبيض، بمساحة تقارب ستة عشر ألف متر مربع.

ومع كل هذا الامتداد الجغرافي، تتجمع الأسئلة في الخاتمة دون إجابات جاهزة، أين الرسومات المعمارية التفصيلية الأولى لكل هذه المباني؟ وكيف نُقلت كتل الرخام العملاقة، ورُفعت الأعمدة، وصُنعت التماثيل بتلك الدقة في زمن كانت فيه الخيول والعربات الوسيلة الأساسية؟ في عهد من بالتحديد أُنجزت هذه الصروح، وكم بلغت تكلفتها الحقيقية، ومن موّلها ونفّذها؟ ولماذا، رغم تطور التكنولوجيا اليوم، لا نرى مباني عامة بنفس الإلهام، ولا بنفس المقاسات العملاقة، ولا الأبواب الضخمة والنوافذ الشاهقة التي كانت تُبنى وكأنها خُلقت لعصر مختلف؟ او شعب مختلف؟  هذه التساؤلات لا تنفي التاريخ، لكنها تفتح باب التأمل في حضارة كبيرة وعظيمة، ربما كانت تمتلك من المعرفة والتنظيم والقدرة على الإنجاز ما يجعلنا نعيد النظر في فهمنا لما كان ممكناً في ذلك الزمن، التاريخ يترك آثارا إن لم ندرسها فشلنا.