في مساء بعيد من تاريخ الفن، حين كانت المدن القديمة تنام على ضوء القناديل، ظهر فن الفسيفساء كأنه لغة سرية تنسجها الأحجار الصغيرة لتروي حكايات البشر، بدأ هذا الفن في حضارات الشرق القديمة، في بلاد الرافدين ثم الإغريق والرومان، حيث اكتشف الفنانون أن قطع الحصى والزجاج يمكن أن تتحول إلى صور تنبض بالحياة، ومع مرور الزمن تطور هذا الفن، فصار يُستخدم في القصور والمعابد ثم انتقل إلى الكنائس والبيوت الراقية، يزيّن الجدران والأرضيات ويروي قصص الأساطير والملوك والآلهة.
كانت المواد بسيطة في بدايتها، فالحرفيون يجمعون الحصى الملوّن من ضفاف الأنهار ثم يشذبونه ليضعوه بجوار بعضه في تشكيلات بديعة، وعلى فكره أن أصل الكلمة (فسيفساء) مشتقة من الكلمة اليونانية psephos ( فسفوس) ، والتي تعني “الحجر الصغير” أو “الحصى”، وبعدها دخل الزجاج الملوّن والمعادن والأحجار الكريمة، فصار لكل لوحة فسيفسائية بريق خاص، وفي بيزنطة بلغ هذا الفن ذروته، حيث تزيّنت الكنائس بجداريات من الذهب واللازورد، تُشع نوراً كأنها بوابات سماوية.
ومن أبرز الفنانين الذين تركوا أثراً في هذا الفن عبر العصور، الحرفيون البيزنطيون الذين عملوا في صمت وبقيت أعمالهم خالدة، وفنانو روما وتونس الذين رسموا الحياة اليومية بحجارة صغيرة، وفي العصر الحديث أعاد غاودي في برشلونة الروح إلى الفسيفساء حين جعلها تتلوّن على الجدران والمنحنيات وكأنها تنبض بالحياة.
وفي قلب هذا العالم البهي، تبرز حكاية حقيقية لا تقل تشويقاً عن الأساطير، إنها قصة فسيفساء كنيسة باناغيا كاناكاريا في شمال قبرص، وهي لوحة بيزنطية تعود إلى القرن السادس، بعد أحداث عام 1974 تعرضت الكنيسة للنهب، واقتُطعت أجزاء من الجدارية التي كانت تمثّل مشاهد دينية نادرة، اختفت اللآلئ الحجرية من جدارها الأصلي، وظهرت بعد سنوات في أوروبا والولايات المتحدة لدى تجار فنون ومزادات سرية، وفي أواخر الثمانينيات تمكنت السلطات القبرصية بالتعاون مع الإنتربول وخبراء الفن من استعادة أجزاء مهمة من الجدارية، بينها وجوه القديسين وإطارات مذهّبة دقيقة، وأعيد عرضها لاحقاً في المتحف البيزنطي في نيقوسيا، لتعود من جديد إلى حضن تاريخها.
ولا تتوقف القصص عند قبرص؛ ففي تركيا تعرّضت قطع فسيفسائية من مدينة زيغما للتهريب في العقود الأخيرة، وظهرت في الولايات المتحدة قبل أن تُعاد عام 2018 إلى متحف موزاييك زيغما في غازي عنتاب، كانت كل قطعة تحمل أثراً من حضارة قديمة، وكل عودة منها انتصاراً صغيراً لذاكرة الشعوب.
وتظل أشهر البلدان في صناعة الفسيفساء حتى اليوم هي إيطاليا واليونان وتونس وتركيا وسوريا، حيث ما زالت الورش تعمل بالطريقة نفسها التي اتبعها الفنانون منذ آلاف السنين. يقف الحرفي أمام الطاولة، يمسك بالمطرقة الصغيرة، ويختار الحجر كما لو أنه يختار كلمة دقيقة ليضيفها إلى نص طويل. وبين الماضي والحاضر يظل فن الفسيفساء فناً يعيد للحجر صوته، وللحكايات روحها، وللتاريخ حياة لا تنتهي.
