الرئيسية / أخبار / لماذا اتبنى البرتقالي ؟.. بقلم منى الروبي

لماذا اتبنى البرتقالي ؟.. بقلم منى الروبي

الاقتصاد لا يقتصر على التجارة والصناعة فحسب، بل يتنوع في أشكاله ليشمل الاقتصاد الأخضر المرتبط بالبيئة، والأزرق المرتبط بالبحار، والرقمي المعتمد على التكنولوجيا، وصولًا إلى الاقتصاد البرتقالي الذي يقوم على الإبداع والفنون والثقافة. هذا النوع الأخير يشكل ثروة غير مرئية لكنه شديد التأثير في حياة المجتمعات، حيث تتحول الموهبة والفن إلى منتجات وخدمات تسهم في الناتج القومي، وتفتح أبواب العمل أمام أعداد هائلة من الشباب.

الاقتصاد البرتقالي ليس مجرد شعار، بل هو أرقام وتجارب عالمية، في هوليوود مثلًا تشير الإحصاءات إلى أن الصناعات الإبداعية تسهم بما يقارب 877 مليار دولار سنويًا في الاقتصاد الأمريكي، وتشكل نسبة تفوق 4% من الناتج المحلي، الأفلام وحدها تجذب ملايين الوظائف المباشرة وغير المباشرة، وأسماء مثل المخرج ستيفن سبيلبرغ أو الممثلة ميريل ستريب لم يعودوا مجرد فنانين، بل علامات تجارية تدر أرباحًا تفوق مداخيل قطاعات صناعية بأكملها. أما في بوليوود بالهند، فهي تنتج أكثر من 1500 فيلم سنويًا، وتوفر ما يزيد على 2.5 مليون وظيفة، لتصبح صناعة السينما هناك مصدر دخل رئيسي يوازي صادرات تقليدية عديدة.

ولا يقتصر الأمر على السينما، فالأدب أيضًا يشكل جزءا مهما من هذا الاقتصاد. الكاتبة البريطانية ج. ك. رولينغ، مؤلفة سلسلة هاري بوتر، خلقت صناعة متكاملة من الكتب إلى الأفلام إلى المسرحيات، محققة عوائد تتجاوز 25 مليار دولار عالميًا. وهناك أيضًا المؤلف الأمريكي جورج آر. آر. مارتن، مبتكر سلسلة Game of Thrones، الذي ساهم في بناء صناعة درامية وسياحية في مواقع تصوير المسلسل تتجاوز قيمتها مليارات الدولارات، مما يعكس قدرة الأدب على خلق سلاسل اقتصادية متكاملة. أما برودواي في نيويورك فتضخ أكثر من 1.8 مليار دولار سنويًا، وتستقطب ملايين السياح من مختلف أنحاء العالم، مؤكدة أن المسرح جزء محوري من الاقتصاد البرتقالي.

وعلى الصعيد العربي هناك نماذج ملهمة. في الإمارات، أطلقت دبي (متحف المستقبل) و(حي دبي للتصميم) كمنصات عالمية للإبداع، وأسست مهرجانات سينمائية وموسيقية تستقطب نجوم العالم وتضخ مليارات في قطاع السياحة الثقافية. وفي السعودية، يشهد مشروع (العلا) ومهرجان (موسم الرياض) نقلة نوعية، حيث ضخت المملكة أكثر من 64 مليار ريال لدعم الصناعات الإبداعية والفنية، وجذبت ملايين السياح عبر حفلات موسيقية ومعارض كبرى، مما جعلها مركزًا ثقافيًا وسياحيًا متناميًا في المنطقة.

على الجانب الآخر، نجد دولًا فقيرة في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية تبني اقتصادها على الصناعات اليدوية مثل النسيج والخزف والمجوهرات الشعبية، في رواندا مثلًا تشكل صناعة السلال اليدوية مصدر دخل لآلاف النساء، بينما تعتمد نيبال على المنسوجات التقليدية لجذب السياحة، هذه النماذج الصغيرة تثبت أن الفن والإبداع يمكن أن يكونا أساسًا لتخفيف الفقر وتحقيق التنمية.

أما في البحرين فالتاريخ يحمل بصمات الاقتصاد البرتقالي منذ زمن بعيد، من صناعة الفخار في عالي التي لا تزال شاهدة على مهارة الأجداد، إلى صناعة القوارب التي صُممت لتلائم نسيم البحر واحتياجات الغوص والتجارة، هذه الحرف التراثية تشكل نواة يمكن البناء عليها لتطوير مشاريع جديدة. يمكن مثلًا إطلاق مهرجانات دولية للفخار والحرف، أو إقامة قرى فنية مخصصة للسياحة الثقافية، أو دعم شركات ناشئة تعيد إحياء الصناعات البحرية التقليدية بتقنيات حديثة.

وأنا أؤمن أن دعم هذا الاقتصاد يبدأ من التعليم، فإدماج الابتكار الفني في المناهج الدراسية هو المفتاح لبناء جيل يملك أدوات المستقبل. عندما نمنح أطفالنا مساحة للإبداع والتفكير الفني، فإننا لا نرسم لهم حاضرًا أكثر إشراقًا فحسب، بل نفصل لهم مستقبلًا مبدعًا يسهم في رفعة أوطانهم.