تقرير البحرين/ المنامة/ تمر الآن الذكرى الأربعون لصدور كتاب حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه (الضوء الأول) والذي صدر عام 1986م، وقد نفدت جميع نسخه المطبوعة بسبب أهميته الكبيرة على المستوى الإستراتيجي والتوثيقي، حيث يُعد انعكاس لرؤية قيادية استشرافية بعيدة المدى، إذ قدّم جلالته من خلاله تصورًا متقدمًا سبق به الأحداث بعقود، فكان يحدد ملامح التحديات والمخاطر قبل أن تظهر، ويرسم إطارًا واضحًا للأمن الوطني والخليجي في الوقت نفسه، مما يؤكد أن ما كتبه لم يكن مجرد أفكار نظرية، بل رؤية متكاملة وخطة قائمة على فهم عميق للواقع والمستقبل، وقد تضمّن الكتاب معلومات دقيقة وموثقة عن البحرين ومنطقة الخليج العربي، وقد تحقق الكثير مما ورد فيه على أرض الواقع، لقد قامت شركة (كيغان بول) العالمية في لندن بترجمته إلى اللغة الإنجليزية عام 1994، ونفدت نسخه أيضًا، بحسب ما ذكره الأستاذ المؤرخ د. منصور سرحان.
جاء كتاب (الضوء الأول) في لحظة حساسة جدًا قبل أربعين عامًا، حين كانت الحرب العراقية الإيرانية في سنتها السادسة تشتعل في المنطقة، وكان مجلس التعاون الخليجي لا يزال في بداياته، والبحرين دولة صغيرة ناشئة تتسلمس خطاها نحو التطور والإزدهار، في هذا المناخ المضطرب جلس ولي العهد حينها الشيخ حمد بن عيسى وهو القارئء النهم يكتب فالقادة من طرازه يخلقون وقت التأمل بأنفسهم، ويقتطعونه من قلب الأزمة ليملؤه بالأسئلة والمراجعة والبناء، لذلك أصبح الكتاب أكثر من مجرد نص يُقرأ، بل تجربة قيادية تُعاش، إذ يحمل بين صفحاته عمقًا يفوق المعلومات، ويعكس هواجس رجل يبني مؤسسة من الصفر، يرى في التاريخ مرآة صادقة، ويضع أسس رؤية وطنية لم تعرفها المنطقة من قبل.
اختار جلالة الملك المعظم للكتاب عنوان (الضوء الأول) وهو في الاصطلاح العسكري يعني الفجر، لحظة الانقشاع قبل الشروق حين تبدأ الرؤية وتنكشف المعالم بعد ظلمة الليل، وما إن تلتقط العين تلك المعالم حتى تحدد مسار اليوم كله، وهذا العنوان يحدّد موقعه الزمني والروحي بدقة بالغة: ليس نهاية مسيرة ولا ادعاء اكتمال، بل أول انقشاع يسبق يومًا طويلاً من العمل، وهو درس لكل القادة: لا تنتظر اكتمال الظروف لتبدأ، بل اصنع “الضوء” من قلب الأزمة، ومارس الاستشراف في اللحظة نفسها التي تحتاج فيها القيادة إلى رؤية ثاقبة.
رؤية تتجاوز الحدود..
وينتقل الكِتاب بعد ذلك من الرؤية الوطنية البحرينية إلى المستوى الإستراتيجي لدول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة، حيث يشكّل هذا القسم قفزة نوعية في التحليل، مؤكدًا أن الأمن البحريني لا يتحقق بمعزل عن الأمن الخليجي الجماعي، وأن الاستراتيجية الوطنية الفاعلة يجب أن تكون فكرة وطنية متجددة، تنبع من إرادة المجتمع الخليجي، لا من توجيهات خارجية، وأن تُترجَم إلى التزام كامل بالأهداف والوسائل بين جميع الدول الأعضاء بحيث تكون المصلحة العامة للمجلس فوق المصلحة الجزئية لأي دولة، هذه الرؤية اليوم بعد مرور أربعين عامًا، تبدو كأنها خارطة واضحة للتحديات الخليجية الراهنة، من التوترات الإيرانية، مرورًا بالأزمات اليمنية، وصولًا إلى التنافس الاقتصادي، لتثبت أن القيادة التي تسبق الأحداث وتستشرف المستقبل ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة سياسية حقيقية.
ويقدّم الكِتاب تشخيصًا دقيقًا للمخاطر التي تواجه دول المجلس، لا يكتفي بتعداد التهديدات الخارجية العسكرية والسياسية، بل يضيف الهشاشات الداخلية البنيوية: التبعية الاقتصادية لصناعة البتروكيماويات وما ينجم عنها من هشاشة عند تقلب أسعار النفط، الاعتماد المتزايد على العمالة الأجنبية وما يصاحبه من إشكاليات اجتماعية وأمنية، وغياب السياسات الاستثمارية الواضحة بين بعض الدول الأعضاء، ما يؤدي إلى نقص احتياطيات للأجيال القادمة. وهذه الصراحة لم تكن مألوفة في التقارير الرسمية آنذاك، فهي تظهر عُمق الرؤية الملكية وقدرتها على التعرف إلى الثغرات قبل أن تُستغل.
في ما يتعلق بالتحديات والتهديدات، يميّز جلالة الملك بين نوعين من المخاطر: تهديدات عسكرية مباشرة مرتبطة بالصراعات الإقليمية والطموحات التوسعية، وتهديدات ناعمة تشمل الحرب النفسية والاختراق الأيديولوجي وزعزعة الاستقرار الداخلي. ويرى أن النوع الثاني قد يكون أخطر على المدى البعيد لأنه أصعب رصدًا وأعقد مواجهةً، ويؤكد أن الحل ليس ردود فعل أمنية بحتة، بل بناء وعي وطني متين يجعل المواطنين أنفسهم أول خط دفاع عن مجتمعاتهم، وهو ما يرتبط اليوم بشكل مباشر بمحاولات التأثير على الاستقرار الداخلي في دول خليجية عدة، لتبرز بجلاء بُعد نظر القيادة الملكية قبل أربعة عقود.
كون مادة الكتاب ما زالت “طازجة” يفسر الشعور بالانتعاش الذي يشعر به القارئ عند قراءة (الضوء الأول) رغم مرور كل هذه السنوات بسبب روح القيادة التي تسكن صفحاته: قائد لا يكتفي بالأجوبة الجاهزة ولا بالتوصيفات السطحية، فهو يطرح الأسئلة الجوهرية لبناء الأمة، يتفحص الواقع بعمق، ويستشرف المستقبل قبل أن يأتي، هذا يجعل الكتاب درسًا حيًا في القيادة الاستراتيجية قبل وقوع الأحداث، ويظهر بوضوح أن تحذيرات جلالة الملك قبل أربعين عامًا تتحقق اليوم على أرض الواقع الخليجي من تحديات أمنية وسياسية واقتصادية، لتصبح رؤيته إنذارًا مسبقًا وجهدًا تحذيريًا دقيقًا للمنطقة بأسرها.
ويعلّمنا الكتاب أن لا أعمال عظيمة بلا أفكار مكتوبة، ولا أمة تنهض بلا قادة يفكرون بصوت عالٍ، هذه الفلسفة تشكّل الأسس التي بُنيت على ضوئها قوة دفاع البحرين، التي صُمّمت لتكون بمستوى ثقة وآمال وتطلعات الوطن، إعدادًا وتأهيلاً وتطويرًا وتجهيزًا لمواجهة أي تهديد، بما يتوافق مع قوله سبحانه: “واعِدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم”، ليكون ذلك درسًا للمنطقة بأسرها حول ضرورة الاستعداد الاستراتيجي المبكر والتخطيط الواقعي لصد أي تهديد، سواء كان خارجيًا أو داخليًا.
مضت أربعة عقود على صدور (الضوء الأول) وأصبح كاتبه ملِكًا يقود بلاده عبر تحولات عميقة شملت مسيرة الإصلاح السياسي ومحطات إقليمية حساسة للغاية، ومع ذلك يظل الكِتاب ينبض بالحِكمة، ليس لأنه يقدم وصفات جاهزة للتطبيق في عالم تغيّرت خرائطه وتعقّدت معادلاته، بل لأنه يعلّم القائد كيف يفكّر قبل أن يضع الخطط، كيف يستشرف المخاطر ويصنع الحلول قبل أن تأتي الأحداث، وهو درس في القيادة الاستباقية نادر الوجود في أي نص استراتيجي، فالكتاب لا يكتفي بسرد التاريخ لكن يحوله إلى مصنع للدروس، فحين يتأمل المؤلف الغزو البرتغالي، لا يركن إلى الأسى على الماضي، بل يسأل: لماذا نجح الغزاة؟ ما هي الثغرات التي مكّنتهم؟ وكيف نُغلقها؟ وهذا المنهج يضع المؤسسة في موقع قوي لتجنب تكرار الأخطاء، ليصبح الاستشراف قبل الحدث قاعدة عملية.
درس في القيادة والتخطيط الاستباقي
إن الفصل الخاص بالعمل العسكري المشترك في كتاب (الضوء الأول) يُشكّل أكثر فصوله طموحًا وجرأة، إذ يقدم تصورًا استراتيجيًا متقدمًا لدول مجلس التعاون الخليجي في وقت كانت فيه هذه الدول تخطو خطواتها الأولى نحو التنسيق الأمني، وحين كانت مجرد فكرة إجراء تدريبات عسكرية مشتركة تُعد إنجازًا يُحتفى به، لقد رسم المؤلف قبل 40 عاما رؤية أشمل بكثير من اللحظة الراهنة، رؤية تحدد ليس فقط كيفية التنسيق بين الدول، بل كيف يجب أن تُصمم القوات المسلحة نفسها لتواكب التهديدات الراهنة والمستقبلية، من بناء القوات إلى استخدامها بفعالية لتحقيق الغايات الوطنية والأهداف القومية، مع وضع خطط العمليات قصيرة ومتوسطة وطويلة الأمد، كخطة متكاملة تجمع بين الاستعداد الفوري لمواجهة الأزمات والتخطيط المستقبلي للتحديات الكبرى.
ما يميز رؤية جلالة الملك ليس في التخطيط العسكري بُعده الإنساني والوجداني، إذ يظهر حسًا أبويًا تجاه البحرين، وإحساسًا بالمسؤولية يتجاوز الواجب الرسمي، يتحدث جلالته عن الجنود والضباط كأبناء دفعة واحدة وليس كأرقام، وعن قوة الدفاع كعائلة ينتمي إليها كل فرد، وهذا يجعل الكِتاب شهادة قيادية وإنسانية تُعلّم كيفية إدارة القوة بروح الانتماء والواجب الشخصي.
يوضح الكتاب أن صِغر مساحة الدولة أو قلة مواردها ليس مشكلة، بل فرصة للتفكير بشكل أفضل. التركيز يكون على الجودة، واستخدام التكنولوجيا، والتعاون مع الآخرين بدل الاعتماد على النفس فقط، هذا الأسلوب يعلّم القادة كيف يتعاملون مع الظروف الصعبة بطريقة ذكية، وهو مناسب اليوم مع التحديات التي يمر بها الخليج، مثل تقلب أسعار النفط وقضايا العمالة والتغيرات الاجتماعية.
التعاون الإقليمي..
الكِتاب يؤكد أن التعاون الإقليمي ليس مجاملة دبلوماسية إنما ضرورة وجودية، وعندما يشير إلى نقاط ضعف مجلس التعاون الداخلي في ذلك الوقت مثل غياب السياسات الاستثمارية الواضحة والتناقض أحيانًا بين المصالح الجزئية والمصلحة الكلية فهو لا ينتقد، بل يضع خارطة تطوير حقيقية، مؤكدًا أن الإصلاح والتكامل الإقليمي هو السبيل لمواجهة التحديات الإقليمية المتنامية، سواء كانت صراعات حدودية، تدخلات خارجية، أو تهديدات ناعمة مثل الاختراق الأيديولوجي أو الحروب النفسية التي تهدد استقرار المجتمعات الخليجية.
ومن هنا يمكنني القول أن الخصوصية الكبرى للكِتاب تكمن في نموذجه الفريد للقيادة التي تحاسب نفسها علنًا، حين يعدّد المؤلف الصعوبات التي واجهت الخطة الخمسية الأولى، ويشير بوضوح إلى المشكلات البنيوية في الاقتصاد الخليجي، ويتحدث عن التهديدات الداخلية بنفس جدية الخطر الخارجي، ليعلمنا أن الشجاعة في رؤية الضعف وتسميته بوضوح شرط أساسي لأي عملية بناء حقيقية.
إن الانتقال من الشأن البحريني المحلي إلى التصور الاستراتيجي لدول مجلس التعاون الخليجي يمثل قفزة نوعية في التحليل، إذ لا أمن حقيقي للبحرين خارج الأمن الخليجي الجماعي، وهذا ليس حديث شكلي عن إطار مؤسسي بل تحديد شروط الإستراتيجية الوطنية الحقيقية التي ينبع تصورها من إرادة المجتمع الخليجي نفسه، وتُترجَم إلى التزام كامل بين الدول الأعضاء بحيث تكون المصلحة العامة فوق أي مصلحة جزئية، بما يعكس بُعدًا استشرافيًا فذًا في رؤية الملك.
الاستراتيجية الدفاعية
إن تصوّر الاستراتيجية الدفاعية لدول المجلس يرتكز على إيجاد سياسة رادعة لكل معتدٍ، ودراسة إمكانيات الدفاع الحقيقية والقدرات السياسية والاجتماعية والعسكرية لتحديد مستوى المجابهة، مع التنسيق بين القوات الشقيقة، وهو درس متقدم في بناء تحالفات إقليمية مبنية على التخطيط الذكي والاستعداد الواقعي، ليس مجرد شعارات أو توصيات مكتوبة، بل فلسفة قيادية تستبق الأحداث وتؤسس للاستقرار طويل المدى.
بعد مرور أربعين عامًا، يظل كتاب (الضوء الأول) حاضرًا في المشهد الخليجي والسياسي، ليس لأن وصاياه يمكن تطبيقها حرفيًا، بل لأنه يُعلم القائد كيف يُفكر ويستشرف المستقبل ويحوّل التحديات إلى فرص، يعلمنا أن التاريخ ليس مجرد ماضٍ نقرأه، بل مصنع للدروس: عند قراءة الغزو البرتغالي يسأل: لماذا نجح الغزاة؟ ما هي الثغرات؟ وكيف نغلقها؟ هذا الأسلوب يحوّل التاريخ إلى خارطة طريق للاستراتيجيات المستقبلية، ويقدّم درسًا لكل مؤسسة لتجنب تكرار الأخطاء.
الكتاب كذلك يُعلّم النظر إلى حدود الوطن بعين التخطيط لا الخوف، فالحدود الضيقة والمساحة الصغيرة للبحرين ليست عائقًا، بل معطى استراتيجيًا يحتم اتباع فلسفة مختلفة: التركيز على الجودة بدل الكمية، التكنولوجيا بدل الحشود، والتحالف الذكي بدل الاعتماد المطلق على الذات، وهو نموذج للقيادة الواقعية المبدعة، الذي يبني استقرار الدولة ويزرع قوة دفاع متينة، ويشكّل درسًا للقادة الخليجيين في كيفية مواجهة القيود الموضوعية بوعي وتصميم، بعيدًا عن الهلع أو المبالغة، ليصبح كل تحدٍّ فرصة للتفكير الاستراتيجي والتخطيط الدقيق.
الكفاءة والجاهزية بين (الضوء الأول) والواقع الراهن..
إذا نظرنا إلى الواقع اليوم في ظل الحرب الأمريكية الاسرائيلية الإيرانية ، نجد أن ما حققته قوة دفاع البحرين من نجاح في التصدي للصواريخ والمسيرات يعتبر نتيجة طبيعية لفكر استراتيجي وُضع مبكرًا، فالرؤية التي طرحها جلالة الملك قبل أربعين عامًا لم تكن نظرية، بل كانت تؤسس لقوة دفاع قادرة على التعامل مع أخطر التهديدات، سواء التقليدية أو الحديثة، وما نراه اليوم هو ترجمة عملية لذلك التفكير المبكر، حيث أثبتت قوة الدفاع جاهزيتها وكفاءتها في حماية الوطن، وهو ما يؤكد أن الاستشراف الحقيقي لا يظهر في الكلام، بل في النتائج عندما تأتي التحديات.
حين تُغلق صفحات الكتاب يظل الإحساس بأنه لم يُقرأ كتابًا فحسب، بل رجلًا يفكر بصوت عالٍ في لحظة مفصلية، يُراجع تاريخه ويبني مستقبله ويُورّث ابنه رسالة قيادية في الوقت نفسه. هذه المصادفة الثلاثية الفجر الوطني، الفجر المؤسسي، والفجر الشخصي تجعل من الكتاب نصًا فريدًا لا يمكن تكراره، درسًا في استشراف القيادة والسياسة، ورسالة لكل القادة: لا أعمال عظيمة بلا أفكار مكتوبة، ولا أمة تنهض بلا قادة يفكرون بصوت عالٍ ويستبقون الأحداث قبل أن تقع.
في النهاية يثبت (الضوء الأول) أنه ليس مجرد كتاب من الماضي، انما رؤية حيّة ما زالت تفسّر الحاضر وتستشرف المستقبل، وتؤكد أن القيادة الحقيقية هي التي ترى قبل أن يحدث، وتبني قبل أن تتعقد التحديات.