منذ تولي حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك مملكة البحرين المعظم، مقاليد الحكم، انطلقت مسيرة وطنية طموحة أعادت رسم ملامح الدولة الحديثة، وأرست دعائم مشروع إصلاحي شامل امتد أثره محليًا وإقليميًا ودوليًا، واضعًا البحرين على مسار تنموي متوازن يجمع بين الاستقرار والانفتاح والتحديث.
كانت البداية المفصلية مع إقرار ميثاق العمل الوطني في 14 فبراير 2001، الذي شكّل محطة تاريخية عبّر فيها الشعب البحريني بإجماع غير مسبوق عن تطلعاته نحو مستقبل قائم على المشاركة الشعبية وتعزيز مؤسسات الدولة. تلاه إصدار دستور مملكة البحرين المعدل في 14 فبراير 2002، والذي أعاد الحياة البرلمانية من خلال نظام ثنائي المجلس، مؤسسًا لمرحلة جديدة من العمل التشريعي والرقابي، ومكرّسًا مبدأ دولة المؤسسات والقانون، ومؤكدًا على الحقوق والحريات العامة في إطار من التوازن والمسؤولية الوطنية.
وخلال ربع قرن، شهدت البحرين سلسلة من الإصلاحات السياسية والاقتصادية التي عززت مكانتها كمركز إقليمي متقدم. فقد تم تطوير البنية التشريعية بما يواكب متطلبات العصر، وتعزيز دور القطاع الخاص كشريك أساسي في التنمية، وتنويع مصادر الدخل بعيدًا عن الاعتماد التقليدي، بما يتماشى مع رؤية اقتصادية طموحة تستشرف المستقبل. كما أولت الدولة اهتمامًا محوريًا بحقوق المواطن، من خلال الاستثمار في التعليم الحديث، وتوسيع نطاق الرعاية الصحية، وتطوير منظومة الخدمات الاجتماعية، بما يضمن جودة الحياة ويعزز الاستقرار المجتمعي.
وفي صميم هذه الرؤية، برزت البحرين كنموذج رائد في التسامح والتعايش، حيث تعيش مختلف الطوائف والأديان في نسيج وطني متماسك يقوم على الاحترام المتبادل وقبول الآخر. وقد تجسدت هذه القيم في المبادرات الوطنية والدولية التي رسخت ثقافة الحوار والانفتاح، وأسهمت في تقديم البحرين كمنصة عالمية للتلاقي الحضاري والتفاهم بين الشعوب.
إقليميًا، انتهجت المملكة سياسة متوازنة تقوم على تعزيز التكامل الخليجي في إطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والدفع نحو مزيد من التعاون الاقتصادي والسياسي والدفاعي بين دوله، بما يخدم المصالح المشتركة ويعزز الأمن والاستقرار في المنطقة. كما لعبت البحرين دورًا فاعلاً في دعم العمل العربي المشترك تحت مظلة جامعة الدول العربية، وساهمت في المبادرات التي تسعى إلى توحيد المواقف العربية ومعالجة التحديات الإقليمية بروح من المسؤولية والتضامن.
وعلى الصعيد الدولي، عززت البحرين مكانتها عبر شراكات استراتيجية مع القوى العالمية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والدول الأوروبية، من خلال اتفاقيات عسكرية واقتصادية، وتبادل الزيارات رفيعة المستوى بين القادة والمسؤولين، بما يعكس الثقة الدولية المتنامية في الدور البحريني كشريك موثوق يسهم في تحقيق الأمن والاستقرار.
وقد تُوِّجت هذه المسيرة برئاسة مملكة البحرين لمجلس الأمن الدولي، في خطوة تعكس تقدير المجتمع الدولي لدورها المتوازن والمسؤول. ومن خلال هذه المنصة، طرحت البحرين قضايا محورية تهم المنطقة والعالم، بما في ذلك أمن الممرات البحرية، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، ودعم الاستقرار في اليمن، وتعزيز الأمن والسلم الدوليين، انطلاقًا من رؤية قائمة على الحوار والتعاون الدولي.
إنها ليست مجرد مسيرة إصلاح، بل مشروع وطني متكامل أعاد تعريف دور البحرين في محيطها الإقليمي والدولي.
رؤية جلالة الملك المعظم، التي انطلقت من الداخل عبر ترسيخ دولة المؤسسات والإصلاح الشامل، أثبتت أن الاستقرار والتنمية والانفتاح ليست خيارات متعارضة، بل مسارًا واحدًا متكاملاً.
واليوم، ومع حضور البحرين على منصة مجلس الأمن، تتجسد هذه الرؤية كقوة سياسية ودبلوماسية قادرة على التأثير وصياغة المواقف، مؤكدة أن البحرين، بقيادة جلالته، لا تواكب التحولات فقط، بل تسهم في صنعها.
٭ عضو مجلس أمناء مركز الملك
حمد العالمي للتعايش والتسامح
عن صحيفة (الأيام) البحرينية