تمثل العلاقات المصرية البحرينية، نمطاً فريداً ونموذجاً للعلاقات التعاونية والتفاعلية، على مستوى الوطن العربي، كما تتسم بالنمو على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بما يجعل من أحد الجانبين عمقًا إستراتيجيًا للآخر، وقد عززت البحرين ومصر علاقاتهما من خلال التنسيق في مختلف المحافل، وتوقيع الاتفاقيات في مجالات متنوعة، اقتصادية وعلمية وثقافية، بالإضافة إلى التبادل السياسي والاجتماعي، والتنسيق في القضايا الإقليمية والدولي، مما أدى في نهاية المطاف إلى توصلهما إلى رؤية مشتركة لمستقبل المنطقة تنقلها من “مسرح صراع” إلى “ساحة تفاهمات واستقرار وازدهار”.
ويعود التعاون الحديث بين مملكة البحرين ومصر، إلى أول بعثة تعليمية إلى البحرين عام 1919. ولن ينسى التاريخ تفاعل البحرين وشعبها مع ثورة يوليو 1952 وقراراتها التاريخية الكبرى، والمظاهرات الحاشدة في مدنها تضامناً مع مصر في مواجهة العدوان الثلاثي 1956، والمساندة الشعبية المعنوية في بناء السد العالي، والتبرعات للمجهود الحربي بعد هزيمة 1967، وكل مشاعر التضامن مع مصر إذا ألم بها وجع.
في المقابل، كانت مصر سباقة في الاعتراف بالبحرين عام 1971 في مواجهة الادعاءات الإيرانية، وتقديم أول سفير مصري لأوراق اعتماده 1973، ثم أقرت القاهرة ورحبت بالتعديلات الدستورية 2002 التي حولت البلاد إلى مملكة دستورية، وفي عام 2013 التقى الأمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر بالرئيس الإيراني على هامش القمة الإسلامية في القاهرة، وأكد على ضرورة احترام استقلال وعروبة البحرين وعدم التدخل في شأنها الداخلي.
وخلال الأعوام الماضية، تبادل الرئيس عبد الفتاح السيسي وجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، 12 زيارة، منها 4 زيارات قام بها الرئيس المصري إلى مملكة البحرين، و8 زيارات قام بها ملك البلاد المعظم إلى مصر، مما يعكس البعد الشخصي في العلاقات إلى جانب العلاقات الرسمية والمؤسساتية. وأسهم ذلك في توطيد العلاقات الثنائية بين”أم الدنيا” و”دلمون أرض الخلود”، وتشكيل رؤية مشتركة لمستقبل مستدام ومزدهر للمنطقة.
وقد بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر والبحرين نحو 661.4 مليون دولار عام 2024، وما زالت العلاقات الاقتصادية والتجارية تواصل مساراتها التصاعدية، في المجالات الاستثمارية والتجارية والصناعية، في ظل المقومات والفرص الاستثمارية الواعدة، حيث تشمل الاستثمارات البحرينية في مصر، قطاعات التمويل والصناعة والإنشاءات والزراعة والسياحة والخدمات وتكنولوجيا المعلومات، بالإضافة إلى الاستثمارات المصرية في البحرين في مجالي العقارات والسياحة.
وفي طريقهما إلى تشكيل رؤية مستقبلية مشتركة، تقف ذاكرة العلاقات الثنائية والتعاون العسكري الرفيع، شاهدة على وقوف كل طرف إلى جانب أخيه، في المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعسكرية، مستندةً إلى الوعي والفهم المشترك لطبيعة المتغيرات الإقليمية والدولية، التي شهدتها وتشهدها المنطقة.
ويتبنى البلدان الشقيقان سياسة خارجية متوازنة تقوم على تنويع العلاقات والشركاء الدوليين، والانفتاح على القوى الكبرى “الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، والاتحاد الأوروبى” والقوى الإقليمية الصاعدة، بما يخدم مصالحهما الوطنية العليا، كما يلتزمان بمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وعلى رأسها احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وعدم التدخل فى شئونها الداخلية، وحل النزاعات بالطرق السلمية. وقد شكل هذا المبدأ الإطار الحاكم لمواقف الجانبين تجاه الأزمات الإقليمية المختلفة.
كما يعملان معاً على تعزيز التضامن العربي وآليات العمل المشترك لمواجهة التحديات، وفى مقدمتها الإرهاب والتدخلات الخارجية، ويقفان بثبات إلى جانب قضية فلسطين باعتبارها القضية العربية والإسلامية المركزية، فتؤكد كل تحركاتهما الدبلوماسية على الحقوق الفلسطينية المشروعة غير القابلة للتصرف، وعلى رأسها حق إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
وهكذا، تتلاقى الرؤى والتطلعات البحرينية المصرية في كثير من المجالات والمواقف، وتتسم بالواقعية والتخطيط المؤسسي بعيد المدى، حيث يركز الجانبان على أولويات أمنية واقتصادية تخدم الدول والشعوب، وتعزز أمن الطاقة والازدهار الاقتصادي والسلام في فلسطين.
ولعل ما يميز هذه الرؤية المشتركة أنها – في حال نجاح تطبيقها – فقد نشهد انتقال منطقة الشرق الأوسط من “مسرح للصراع” إلى “ساحة للتفاهمات والازدهار”، وهو تحول سيعيد تعريف موقعها في النظام الدولي الجديد، ويكشف عن عبقرية الزمان والمكان والإنسان في “أم الدنيا” و”أرض الخلود”.
*صحفي وكاتب مصري