الرئيسية / أخبار / الأمان.. حين ندرك قيمته.. بقلم: نبيلة رجب
نبيلة رجب
نبيلة رجب

الأمان.. حين ندرك قيمته.. بقلم: نبيلة رجب

الأمان‭ ‬لا‭ ‬يُحسُّ‭ ‬به‭ ‬حين‭ ‬يكون‭ ‬موجودا‭. ‬مثل‭ ‬الهواء‭ ‬تماما‭ – ‬لا‭ ‬نفكر‭ ‬فيه‭ ‬إلا‭ ‬حين‭ ‬يشحّ‭. ‬وما‭ ‬يصدق‭ ‬على‭ ‬الهواء‭ ‬يصدق‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬نعمة‭ ‬كبيرة‭ ‬منحها‭ ‬الله‭ ‬لنا‭ ‬ونسينا‭ ‬أن‭ ‬نحمده‭ ‬عليها‭. ‬

نستيقظ‭ ‬صباحًا،‭ ‬نغادر‭ ‬بيوتنا‭ ‬مطمئنين،‭ ‬يسير‭ ‬الأبناء‭ ‬إلى‭ ‬مدارسهم‭ ‬وأعمالهم،‭ ‬وتتحرك‭ ‬الحياة‭ ‬من‭ ‬حولنا‭ ‬بإيقاعها‭ ‬المعتاد‭. ‬يتكرر‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬حتى‭ ‬يبدو‭ ‬طبيعيًّا‭ ‬تمامًا‭. ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬إن‭ ‬تهتز‭ ‬الأوضاع‭ ‬من‭ ‬حولنا‭ ‬حتى‭ ‬يتغير‭ ‬الإحساس‭ ‬فجأة،‭ ‬ويدرك‭ ‬الإنسان‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬عاشه‭ ‬طويلًا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬أمرًا‭ ‬عاديًا،‭ ‬إنما‭ ‬نعمة‭ ‬كبيرة‭ ‬تستحق‭ ‬أن‭ ‬نعرف‭ ‬قدرها‭.‬

يكفي‭ ‬أن‭ ‬يتأمل‭ ‬الفرد‭ ‬قليلًا‭ ‬ليرى‭ ‬كيف‭ ‬يتشكل‭ ‬هذا‭ ‬الشعور‭ ‬في‭ ‬حياته‭. ‬فالأمان‭ ‬لا‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬واحدة،‭ ‬فهو‭ ‬يتكوّن‭ ‬عبر‭ ‬تفاصيل‭ ‬صغيرة‭ ‬تتكرر‭ ‬كل‭ ‬يوم‭: ‬قدرة‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬التخطيط‭ ‬ليومه،‭ ‬والعمل‭ ‬بهدوء،‭ ‬والتفكير‭ ‬في‭ ‬مستقبله‭ ‬دون‭ ‬قلق‭ ‬دائم‭. ‬هذا‭ ‬الاستقرار‭ ‬يمنح‭ ‬الحياة‭ ‬إيقاعها‭ ‬الطبيعي،‭ ‬ويجعل‭ ‬الإنسان‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يعيش‭ ‬يومه‭ ‬بثقة‭ ‬واطمئنان‭.‬

ثمة‭ ‬فكرة‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬النفس‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬الإنسان‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬الانشغال‭ ‬بطموحاته‭ ‬وإنجازاته‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يشعر‭ ‬بالأمان‭ – ‬فهو‭ ‬يحتاج‭ ‬أولاً‭ ‬إلى‭ ‬الإحساس‭ ‬بأن‭ ‬حياته‭ ‬مستقرة‭ ‬وأن‭ ‬محيطه‭ ‬آمن‭. ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الشعور‭ ‬يصبح‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬والإبداع‭ ‬وبناء‭ ‬مستقبله،‭ ‬بينما‭ ‬يتغير‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬حين‭ ‬يختل‭ ‬هذا‭ ‬الإحساس‭. ‬وأنا‭ ‬أعيش‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬الثقيلة،‭ ‬عدت‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬التي‭ ‬درستها‭ ‬يوماً‭ ‬وأدركت‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تُفهم‭ ‬في‭ ‬الكتب‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تُفهم‭ ‬في‭ ‬الحياة‭. ‬والبحريني‭ ‬الذي‭ ‬يغادر‭ ‬بيته‭ ‬كل‭ ‬صباح‭ ‬مطمئناً‭ ‬يعيش‭ ‬معناها‭ ‬ببساطة‭.‬

وهذه‭ ‬الأرضية‭ ‬لا‭ ‬تُبنى‭ ‬من‭ ‬فراغ‭. ‬خلفها‭ ‬مؤسسات‭ ‬تعمل‭ ‬بصمت،‭ ‬ورجال‭ ‬يسهرون‭ ‬حين‭ ‬ينام‭ ‬الناس،‭ ‬وقرارات‭ ‬تُتخذ‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الأضواء‭ ‬لتبقى‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬على‭ ‬إيقاعها‭ ‬المعتاد‭. ‬الاستقرار‭ ‬الذي‭ ‬نعيش‭ ‬فيه‭ ‬ليس‭ ‬صدفة،‭  ‬هو‭ ‬نتيجة‭.‬

وأنا‭ ‬أتابع‭ ‬ما‭ ‬تبثّه‭ ‬قنواتنا‭ ‬هذه‭ ‬الفترة،‭ ‬وقفت‭ ‬عند‭ ‬مشاهد‭ ‬الاستعداد‭ ‬في‭ ‬المستشفيات،‭ ‬وحضور‭ ‬الأجهزة‭ ‬الأمنية‭ ‬وفرق‭ ‬الدفاع‭ ‬المدني،‭ ‬والرسائل‭ ‬التي‭ ‬أطلقتها‭ ‬الكوادر‭ ‬المختصة‭ ‬بروح‭ ‬من‭ ‬الإيجابية‭. ‬حتى‭ ‬عودة‭ ‬الأسواق‭ ‬سريعًا‭ ‬إلى‭ ‬طبيعتها‭ ‬بعد‭ ‬القلق‭ ‬الأول‭ ‬الذي‭ ‬دفع‭ ‬بعض‭ ‬الناس‭ ‬إلى‭ ‬شراء‭ ‬السلع‭ ‬وتخزينها،‭ ‬دليلاً‭ ‬على‭ ‬تماسك‭ ‬إدارة‭ ‬الأمور‭. ‬هؤلاء‭ ‬جميعاً‭ ‬يستحقون‭ ‬أن‭ ‬يُشكروا‭.‬

ومع‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الاستعدادات،‭ ‬لم‭ ‬يخلُ‭ ‬القلب‭ ‬من‭ ‬قلق‭. ‬مثل‭ ‬كثيرين،‭ ‬وجدت‭ ‬نفسي‭ ‬أفكر‭ ‬أكثر‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬وأهله،‭ ‬وفهمت‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬لا‭ ‬يخاف‭ ‬إلا‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يحب‭.‬

ومع‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬للاستقرار‭ ‬وجهًا‭ ‬آخر‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية؛‭ ‬وجه‭ ‬تصنعه‭ ‬البيوت‭ ‬عبر‭ ‬السنين‭ ‬في‭ ‬مواقف‭ ‬صنعتها‭ ‬البصيرة‭ ‬والصبر‭. ‬رجال‭ ‬آثروا‭ ‬الحكمة‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬الانفعال‭ ‬أسهل،‭ ‬ونساء‭ ‬صنعن‭ ‬من‭ ‬بيوتهن‭ ‬حصنًا‭ ‬للعائلة‭ ‬حين‭ ‬تقلّبت‭ ‬الأحوال‭.‬

‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المواقف‭ ‬يتكوّن‭ ‬المعنى‭ ‬الحقيقي‭ ‬للوطن؛‭ ‬وطن‭ ‬يجتمع‭ ‬أهله‭ ‬على‭ ‬الحرص‭ ‬عليه‭ ‬وعلى‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬الطمأنينة‭ ‬فيه‭ ‬واقعًا‭ ‬يعيشونه‭. ‬هذا‭ ‬الإرث‭ ‬الهادئ‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الاستقرار‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬الناس،‭ ‬وهو‭ ‬إرث‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬نعيه‭ ‬ونحمد‭ ‬الله‭ ‬عليه‭.‬

كثيرون‭ ‬ممن‭ ‬اختاروا‭ ‬بلدنا‭ ‬وطنًا‭ ‬ثانيًا‭ ‬يذكرون‭ ‬أن‭ ‬الأمان‭ ‬الذي‭ ‬وجدوه‭ ‬فيها‭ ‬كان‭ ‬السبب‭ ‬الأول‭ ‬لارتباطهم‭ ‬بها‭. ‬ومن‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬النعمة‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬يعرف‭ ‬قيمتها‭ ‬جيدًا‭. ‬

ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬أمان‭ ‬بلدنا‭ ‬مسؤولية‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يعيش‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭. ‬فالبحرين‭ ‬التي‭ ‬عرفها‭ ‬أهلها‭ ‬دائمًا‭ ‬تشبه‭ ‬نخلة‭ ‬ثابتة؛‭ ‬قد‭ ‬تمر‭ ‬حولها‭ ‬الرياح،‭ ‬لكنها‭ ‬تبقى‭ ‬راسخة‭ ‬في‭ ‬أرضها،‭ ‬تمنح‭ ‬من‭ ‬حولها‭ ‬الظل‭ ‬والراحة‭.‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com

عن صحيفة (أخبار الخليج)