الرئيسية / أخبار / الحُب في زمن الفن..بقلم د. منى الروبي
د. منى الروبي
د. منى الروبي

الحُب في زمن الفن..بقلم د. منى الروبي

الحُب ليس شعور عابر، بل حكاية تُروى، ولوحة تُعلَّق، وبيت شعر يُهمس به عاشق في ليلٍ طويل. في عيد الحب، تبدو القصص وكأنها تتصافح عبر القرون، من شرفة في مدينة إيطالية إلى جبلٍ في قلب الصحراء، ومن مرسمٍ صغير إلى متحفٍ عالمي.

في فيرونا، يقف بيت روميو وجولييت كما صوّرهما ويليام شكسبير في مسرحيته هناك، تتكدّس الرسائل على الجدار الحجري، يعترف العشاق بأسمائهم، يتركون أقفالاً صغيرة، ويلتقطون صوراً عند الشرفة الشهيرة. الطريف أن بعضهم يكتب رسالته ثم يعود بعد سنوات ليجد اسمه ما زال عالقاً بين أسماء الغرباء، كأن الحب يرفض المغادرة. المدينة نفسها تحولت إلى مسرح حي، وكل زائر يظن للحظة أنه روميو جديد ينتظر إشارة من نافذة.
ومن شرفة فيرونا إلى جبل التوباد، حيث وقف قيس بن الملوح يناجي ليلى العامرية، فصار الجبل مرآة لصوته. قال قيس في إحدى أبياته الشهيرة:
أَمُرُّ على الديارِ ديارِ ليلى
أُقَبِّلُ ذا الجدارَ وذا الجدارا
وما حبُّ الديارِ شَغَفنَ قلبي
ولكن حبُّ من سكنَ الديارا
أي رهافة تلك التي تجعل من الجدار كائناً يُقبَّل لأنه حمل ظل الحبيبة؟ يقال إن قيس كان يجلس ساعات ينظر إلى الأفق، ينتظر ليلى من بين السراب.
وفي سيرة عنترة بن شداد، يتحول الفارس إلى شاعر حين يذكر عبلة. يقول:
ولقد ذكرتُكِ والرماحُ نواهلٌ
مني وبيضُ الهندِ تقطرُ من دمي
فوددتُ تقبيلَ السيوفِ لأنها
لمعتْ كبارقِ ثغركِ المتبسمِ
أما في عالم الرسم، فالحب كان أكثر تعقيداً وأشد غرابة. ففان جوخ عاش عواطف مضطربة، وقصته مع قطع أذنه أصبحت رمزاً لامتزاج الفن بالألم. لوحاته، مثل حقول القمح والسماء الدوّارة، بدت كأنها رسائل طويلة إلى حبيبة غائبة أو عالم لم يفهمه.
و بيكاسو جعل من نساء حياته مدارس فنية متعاقبة؛ فكل علاقة كانت تحولاً في أسلوبه، من الأزرق الحزين إلى الوردي الحنين .. التكعيبية الجريئة. كانت ملامح حبيباته تتشظى على القماش، لكن حضورهن ظل طاغياً. ساقف عند الفريده فريدا كاهلو، فقد رسمت حبها العاصف لـ دييغو ريفيرا بصدق موجع. كانت ترسم نفسها بقلب مكشوف، بشرايين مرئية، كأنها تقول إن الحب ليس زينة، بل جرح جميل.
وفي لوحات مارك شاغال، نرى العشاق يطيرون فوق القرى، يمسكون بأيديهم في الهواء، مستلهماً حبه لزوجته بيلا. كان يرسمها خفيفة كحلم، وكأن الحب يمنح الجاذبية إجازة قصيرة.وحت أدولف هتلر، الذي عشق الرسم كان متعلّقاً بعاطفته تجاه إيفا براون، التي اختارت أن تبقى إلى جانبه. تذكرنا بأن الحب قد يوجد حتى في أكثر الحكايات قتامة. وفي أعمال غوستاف كليمت، خصوصاً لوحته الشهيرة The Kiss، يتجسد العناق كأنه أيقونة ذهبية، حيث يذوب الجسدان في زخرفة واحدة، فلا نعود نعرف أين ينتهي أحدهما ويبدأ الآخر. هكذا، في زمن الفن، يصبح الحب مادة خام للإبداع. قد يكون رسالة على جدار في فيرونا، أو قبلة على حجر في التوباد، أو بيت شعر يتردد في صحراء، أو لوحة تلمع بالذهب في متحف. وفي كل مرة نقرأ أو ننظر أو نسمع، نكتشف أن الفن لم يكن سوى محاولة نبيلة ليحفظ لحظة حب من الضياع. فلنفتح نوافذ أرواحنا للحب و لنكن صادقين، فكسر القلوب دين يعود لصاحبه يومًا ما.