في بطولة كأس الأمم الأفريقية 2026، وفي إحدى مباريات منتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية، تحوّل أحد مدرجات الملعب إلى مساحة تعبير فني صامت، وسط الهتافات والضجيج، وقف رجل واحد طوال تسعين دقيقة في وضعية ثابتة، رافعاً يده، بنظرة حادة وملامح جامدة. لم يكن سلوكه تشجيعاً مألوفاً، بل أداءً واعياً. اسمه ميشيل نكوكا مبولادينغا، المعروف بلقب لومومبا فيا، وقد جسّد بجسده شخصية الزعيم الكونغولي باتريس لومومبا، أول رئيس وزراء للكونغو بعد الاستقلال عام 1960، والذي اغتيل عام 1961 في سياق صراع دولي مرتبط بالإرث الاستعماري.
اختيار لومومبا لم يكن رمزاً عاطفياً فقط، بل استدعاءً دقيقاً لتاريخ دامٍ. فقد خضعت الكونغو لحكم الملك ليوبولد الثاني ملك بلجيكا بين عامي 1885 و1908، وهي فترة موثقة تاريخياً كواحدة من أكثر مراحل الاستعمار وحشية، تشير الدراسات إلى مقتل ما بين خمسة وعشرة ملايين كونغولي نتيجة نظام السخرة والاستغلال المنهجي لموارد المطاط والعاج، ما ترك جرحاً عميقاً في الذاكرة الوطنية. جسّد ميشيل هذا التاريخ دون خطاب أو لافتة، معتمداً على الجسد بوصفه أداة سرد.
هذا الأداء ينتمي بوضوح إلى فن البانتومايم، وهو فن التعبير الصامت الذي يعتمد على الحركة والوقفة والإيماءة لنقل المعنى. تعود جذوره إلى المسرح الإغريقي والروماني، ثم تطور في أوروبا خلال القرن التاسع عشر، ليبلغ ذروته العالمية مع الفنان الإنجليزي تشارلي شابلن، المولود عام 1889. عبر شخصية المتشرد، وخاصة في فيلم الأزمنة الحديثة عام 1936، استخدم شابلن الجسد الصامت لنقد الرأسمالية الصناعية والقمع الاجتماعي، مؤكداً أن الحركة يمكن أن تكون أكثر بلاغة من الحوار.
تاريخياً، استُخدم التعبير الجسدي الصامت كوسيلة احتجاج ومقاومة. خلال الثورة الفرنسية عام 1789، حملت الإيماءات والملابس دلالات سياسية واضحة. وفي دورة الألعاب الأولمبية بمكسيكو عام 1968، رفع العداءان الأمريكيان تومي سميث وجون كارلوس قبضتيهما أثناء النشيد الوطني، في موقف صامت أصبح رمزاً عالمياً لمناهضة العنصرية.
ما فعله ميشيل نكوكا مبولادينغا يندرج ضمن هذا السياق التاريخي، حيث أعاد تعريف دور الفن، وحوّل المدرج إلى فضاء أداء، لقد استخدم البانتومايم خارج المسرح التقليدي، مؤكداً أن هذا الفن لغة إنسانية قادرة على استحضار التاريخ ومخاطبة الوعي الجمعي. فالبانتومايم ليس غياباً للكلام، بل اختيار واعٍ للجسد كوسيلة تعبير، حين يصبح الصمت أصدق من الصوت، والوقفة فعلاً ثقافياً مقاوماً يحفظ الذاكرة من النسيان.
.
