الرئيسية / أخبار / في حوار صحفي هو الأول من نوعه البرفسيور الحواج: البحرين قادرة على أن تكون مركزًا إقليميًا للتعليم الجامعي واستقطاب عشرات الآلاف من الطلبة الدوليين

في حوار صحفي هو الأول من نوعه البرفسيور الحواج: البحرين قادرة على أن تكون مركزًا إقليميًا للتعليم الجامعي واستقطاب عشرات الآلاف من الطلبة الدوليين

تقرير البحرين/ المنامة / في رؤية اقتصادية جديدة متكاملة طرحها البروفيسور عبدالله يوسف الحواج رئيس ومؤسس الجامعة الأهلية في مملكة البحرين ورئيس رابطة الجامعات الخاصة الخليجية أكد من خلالها “أن الاستثمار في التعليم والبحث العلمي لم يعد ترفًا فكريًا، بل أصبح خيارًا استراتيجيًا لمواجهة الأزمات الاقتصادية العالمية والتحول نحو اقتصاد المعرفة “، لافتا إلى أن أكثر من مليار دينار بحريني سنويًا يمكن أن يدرّها قطاع التعليم الجامعي على الاقتصاد الوطني، إذا ما نجحت مملكة البحرين في استقطاب عشرات الآلاف من الطلبة الدوليين، بمتوسط إنفاق سنوي يُقدّر بنحو 25 ألف دينار للطالب الواحد تشمل الرسوم الدراسية والمعيشة والسكن والخدمات.

وفي الحوار الصحفي المطول الذي نشرته صحيفة (البلاد) البحرينية الذي أجراءه الزميل الصحفي والمستشار الإعلامي الأستاذ اسامة مهران أوضح الحواج “أن العالم مع مطلع عام 2026 دخل مرحلة جديدة من القلق الاقتصادي، مع تصاعد الحديث عن موجات ركود وتضخم وركود تضخمي، وبدء الحكومات والمؤسسات الدولية، وفي مقدمتها صندوق النقد والبنك الدوليان، باتخاذ إجراءات احترازية قاسية تتعلق بالدعم والطاقة وتكاليف المعيشة، وهو ما يفرض على الدول، ومنها البحرين، البحث الجاد عن مسارات إنقاذ اقتصادية مستدامة لا تقوم على الحلول التقليدية ولا تعتمد على مورد واحد، حتى وإن ظل النفط مكونًا رئيسيًا في الميزانية والناتج المحلي الإجمالي”.

وأشار إلى أن الاقتصاد البحريني رغم نجاحه النسبي في مسار التنويع، لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على قطاع الخدمات المصرفية، وهو قطاع – بحسب توصيفه – وصل إلى مستويات تشبّع تجعل البحث عن روافد جديدة للنمو ضرورة ملحة، وليس مجرد خيار تكميلي، خصوصًا إذا أرادت المملكة أن تفي باستحقاقات رؤيتها الاستراتيجية الممتدة حتى عامي 2030 و2050، وأن تؤمّن مصادر دخل أكثر استقرارًا وأقل تعرضًا للتقلبات العالمية .

اقتصاد ينتج المعرفة ويوطّن التكنولوجيا

وبيّن الحواج أن المدخل الحقيقي لهذا التحول يكمن في الاستثمار في التعليم العالي والبحث العلمي، والانتقال التدريجي من اقتصاد يعتمد على استهلاك المعرفة إلى اقتصاد ينتج المعرفة ويوطّن التكنولوجيا، مؤكدًا أن المنطقة ما تزال مقصّرة في هذا المجال، وأن الفجوة بينها وبين الدول المتقدمة تعود في جانب كبير منها إلى ضعف الإنفاق على البحث والتطوير، في وقت تخصص فيه الدول الصناعية نسبًا تتراوح بين 2 إلى 3 في المئة من موازناتها لدعم البحث العلمي الموجّه نحو الاقتصاد والإنتاج والتكنولوجيا المتقدمة .

وأوضح أن هذا التحول ليس سهلًا ولا سريعًا، بل يحتاج إلى عمل تراكمي شاق قد يمتد لنحو ربع قرن، إذا كانت البحرين تريد أن تلحق بالدول التي سبقتها في بناء اقتصاد المعرفة، محذرًا من منطق الانتظار حتى تقع الأزمات ثم البحث عن حلول عاجلة، ومؤكدًا أن المطلوب هو التخطيط المسبق والعمل المنهجي طويل النفس، لا ردود الفعل المؤقتة .

وفي هذا السياق، شدّد الحواج على أن الاستثمار في التعليم والبحث العلمي يجب أن يُنظر إليه بوصفه مشروعًا وطنيًا تشترك فيه مختلف الجهات المعنية بالتعليم وصناعة القرار الاقتصادي، من قمة الهرم الإداري إلى القواعد التنفيذية، معتبرًا أن نجاح هذا المسار مرهون بوجود رسالة وطنية واضحة، وتكامل بين السياسات التعليمية والسياسات الاقتصادية، حتى تتحول الجامعات من مؤسسات تعليمية تقليدية إلى محرّكات فعلية للنمو الاقتصادي .

دور القطاع الخاص

وتوقف الحواج عند دور القطاع الخاص في هذه المعادلة، معتبرًا أن كثيرًا من التحفظات التي تُنسب إليه في ما يتعلق بالاستثمارات طويلة الأجل ليست نابعة من ضعف الإمكانات، بقدر ما هي مرتبطة بطبيعة المخاطر وغياب الضمانات والتشريعات الواضحة، موضحًا أن القطاع الخاص البحريني يمتلك في الواقع نسبة كبيرة من الموارد المالية والبشرية والتكنولوجية والخبرات المعرفية، لكن المطلوب – بحسب تعبيره – هو مزيد من البراغماتية والواقعية في التعامل مع الاستثمارات النوعية، واختيار المستثمرين المؤمنين بطبيعة هذا النوع من المشاريع وعوائده بعيدة المدى، وليس البحث عن أرباح سريعة وقصيرة الأجل، مشيرا إلى أن الاستثمار في المعرفة والتعليم ليس مشروعًا سهلاً أو مضمون النتائج السريعة، بل يحتاج إلى رؤية واضحة، وشجاعة محسوبة لا تهور فيها، وإلى إيمان وقناعة وإرادة ووعي، محذرًا من أن غياب هذه العناصر يجعل أي أمة تدور في حلقة مفرغة، وتكرر أخطاءها بدل أن تتعلم منها وتحوّلها إلى فرص جديدة للنمو والتقدم.

وفي هذا الإطار، شدد الحواج على أن التشريعات تمثل حجر الزاوية في تحريك هذا النوع من الاستثمارات، مؤكدًا أن المستثمر لا يمكن أن يُطلب منه أن يخاطر بأمواله في مشاريع طويلة الأجل في ظل قوانين غير واضحة أو غير مستقرة، أو في ظل بيئة تنظيمية لا تمنحه الطمأنينة الكافية. وقال إن المطلوب هو تشريعات محددة، ومجدولة زمنيًا، وغير فضفاضة، تضمن حماية الاستثمارات من تقلبات الأسواق، وأسعار الفائدة، وسعر صرف العملة، ومعدلات التضخم، وحالة النشاط الاقتصادي العامة، وربط كل ذلك بالخطة التنموية الشاملة للدولة.

توفير بيئة تشريعية مستقرة وقابلة للتنبؤ

وأوضح أن التجارب الإقليمية والعالمية تثبت أن الدول التي نجحت في جذب الاستثمارات النوعية هي تلك التي وفّرت بيئة تشريعية مستقرة وقابلة للتنبؤ، وأزالت الهواجس والمخاوف من أمام المستثمرين، سواء كانوا محليين أو وافدين، معتبرًا أن النظر إلى المستثمر بوصفه “بقرة حلوب” يجب أن يُستبدل بثقافة الشراكة الحقيقية التي تقوم على تحقيق مصلحة مشتركة للدولة وللاقتصاد وللمستثمر في آن واحد.

وعند الانتقال إلى رؤيته الأشمل لطبيعة الاقتصاد البحريني، أكد الحواج أنه ما زال مؤمنًا بأن البحرين قادرة، بحكم حجمها وطموحها وتركيبتها السكانية وموقعها، على أن تحوّل اقتصادها إلى اقتصاد قائم على “الخدمات الممتازة”، وأن تكون نموذجًا يُحتذى في محيطها الإقليمي، مشيرًا إلى أن ما تتميز به المملكة من شعب منفتح ومتعلم وواعٍ، ومن حكومة متفهمة ومتناغمة مع مختلف أطراف المنظومة التعليمية والاقتصادية، يشكل قاعدة صلبة لهذا التحول.

وفي هذا السياق، عاد الحواج إلى الأرقام بوصفها لغة الاقتصاد الأكثر وضوحًا، مؤكدًا أن وجود أكثر من 15 جامعة خاصة في البحرين ليس رقمًا عابرًا، بل مؤشر على وجود قاعدة مؤسسية يمكن البناء عليها لتوسيع قطاع التعليم العالي وتحويله إلى صناعة اقتصادية حقيقية. وبيّن أن مجرد نجاح هذه الجامعات في استقطاب ما بين 2000 إلى 3000 طالب دولي لكل منها، يمكن أن يفتح الباب أمام تدفقات مالية كبيرة، قبل أن ينتقل إلى السيناريو الأوسع الذي يتحدث عن استقطاب ما بين 30 إلى 45 ألف طالب وافد على مستوى المملكة ككل.

وأوضح أنه إذا كان متوسط إنفاق الطالب الواحد في حدود 25 ألف دينار سنويًا تشمل الرسوم الجامعية ونفقات المعيشة والإقامة والخدمات الأخرى، فإننا نتحدث عن أكثر من مليار دينار بحريني سنويًا تدخل في شرايين الاقتصاد الوطني، موزعة على قطاعات متعددة، من تعليم وسكن ونقل وخدمات واستهلاك، وليس على الجامعات وحدها، مؤكدًا أن هذه الأرقام ليست خيالية ولا مستحيلة، لكنها تحتاج إلى تخطيط سليم، وتعاون وثيق، وتفاهم عميق بين مختلف الجهات القائمة على العملية التعليمية في المملكة.

وأشار إلى أن محدودية السوق المحلي من حيث عدد السكان لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها عائقًا، بل بوصفها دافعًا قويًا لـ الانفتاح على الخارج، واستقطاب الطلبة من المنطقة والعالم، وهو ما قد يخلق، paradoxically، حاجة إلى مزيد من الجامعات النوعية والتخصصية، خاصة تلك التي تعمل في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والرقمية، والصناعات المعرفية ذات القيمة المضافة العالية.

رهان اقتصاد المعرفة هو الخيار الواقعي لمواجهة الأزمات الاقتصادية

وفي ما يتصل بملف البحث العلمي، شدد البروفيسور عبدالله يوسف الحواج على أن الحديث عن اقتصاد المعرفة لا يمكن أن يكون جديًا أو عمليًا من دون وضع البحث العلمي في صدارة الأولويات الوطنية، مؤكدًا أن تخصيص ما بين 2 إلى 3 في المئة من الدخل لدعم البحوث الرقمية الفارقة والمشاريع العلمية التطبيقية كفيل بإحداث مردود اقتصادي مباشر، شريطة أن تكون التشريعات واضحة، واللوائح محددة، وأن تُلزم المؤسسات الكبرى بتخصيص نسب من دخولها السنوية لدعم البحث والتطوير، على غرار ما هو معمول به في الدول المتقدمة التي بنت جزءًا كبيرًا من قوتها الاقتصادية على هذا المسار .

وأوضح أن البحث العلمي، إذا ما وُجّه بصورة صحيحة نحو المشاريع ذات القيمة المضافة العالية، يمكن أن يتحول إلى أداة عملية لمعالجة كثير من الإشكالات الاقتصادية المزمنة، من قبيل المديونية الصعبة، والتضخم، وتراجع مستويات المعيشة، ومشكلات المؤسسات الاقتصادية الكبرى، مشددًا على أن المطلوب في هذا السياق هو وجود رسالة وطنية عليا واضحة تحدد الأولويات، وتربط تمويل البحث العلمي مباشرة بحاجات الاقتصاد الوطني، وبالقطاعات التي تعاني اختناقات أو تحتاج إلى حلول ابتكارية غير تقليدية .

وفي قراءته لطبيعة الاقتصاد البحريني، أكد الحواج أن المملكة تعمل في إطار اقتصاد حر، لا يمنع التوسع في تأسيس مشاريع جامعية أو اقتصادية جديدة، لكن الضابط الحقيقي في هذا المجال يجب أن يكون دراسات الجدوى، ودراسات الأسواق، وبحوث الحجم، محذرًا من أن أي قطاع إذا تجاوز حدوده الطبيعية من دون تخطيط، قد ينقلب إلى عبء بدل أن يكون رافعة للنمو. وأقرّ في الوقت نفسه بأن السوق البحريني محدود بحكم عدد السكان، غير أن هذا القيد يمكن تجاوزه عبر استراتيجية استقطاب الطلبة الوافدين من المنطقة والعالم، وهو ما يحوّل المحدودية من عائق إلى فرصة للنمو والتوسع .

جامعات نوعية وتخصصية جديدة

وأشار إلى أن هذا التوجه قد يقود، على المدى المتوسط، إلى الحاجة لإنشاء جامعات نوعية وتخصصية جديدة، تركز على مجالات التكنولوجيا الفارقة، والذكاء الاصطناعي، والرقمية، والصناعات المعرفية المتقدمة، بما يرفع من القدرة التنافسية للبحرين في سوق التعليم الإقليمي والدولي، ويعزز في الوقت نفسه إنتاج المعرفة بدل الاكتفاء باستهلاكها. غير أن نجاح هذا المسار – بحسب الحواج – يبقى مرهونًا بوجود تسويق مبرمج للاعتمادية الأكاديمية للبرامج البحرينية، وأن تكون هذه الاعتمادية معترفًا بها إقليميًا وعالميًا، وهو ما سعت إليه المؤسسات التعليمية الوطنية مبكرًا وبدأت تجني ثماره تدريجيًا .

وفي خلاصة رؤيته، أعاد الحواج التأكيد على أن مستقبل البحرين الاقتصادي يمكن أن يزدهر بصورة أكبر إذا ما جرى الاستثمار في العقول قبل الاستثمار في الأصول، وإذا ما وُضع مشروع وطني واضح يجعل الاستثمار العلمي في المقدمة، ويعامل التعليم العالي والبحث العلمي بوصفهما صناعة اقتصادية استراتيجية لا تقل أهمية عن النفط أو المصارف أو الصناعات الثقيلة والتحويلية. وبيّن أن الرهان على هذا المسار ليس قصير الأجل، ولا يُقاس بنتائج سريعة، بل هو رهان طويل النفس، لكنه – في المقابل – الأكثر استدامة والأقل تعرضًا للتقلبات الحادة في أسواق الطاقة والمال .

ويخلص هذا الطرح إلى أن ما يجري الحديث عنه ليس مجرد تطوير لقطاع التعليم، بل إعادة تعريف لدوره في بنية الاقتصاد الوطني: من قطاع خدمي إلى رافعة اقتصادية، ومن بند إنفاق إلى مصدر دخل، ومن نشاط محلي محدود إلى صناعة إقليمية ذات أثر واسع. وفي زمن تتزايد فيه المخاوف من موجات ركود وتباطؤ عالمي، يبدو الاستثمار في التعليم العالي والبحث العلمي، وفق هذه الرؤية، واحدًا من أكثر الخيارات واقعية وجرأة لبناء اقتصاد بحريني أكثر تنوعًا وقدرة على مواجهة المستقبل.

نحتاج 2 إلى 3% من الدخل لدعم البحث العلمي وتحويل الجامعات إلى صناعة اقتصادية

الاستثمار في العقول قبل الأصول هو طريق البحرين إلى اقتصاد الخدمات الممتازة

الاستثمار في التعليم العالي هو الطريق إلى اقتصاد المعرفة وتنويع الدخل