(مجلس د. منى الروبي الرمضاني)
ليسَ الفتى من قال كان أبي..إنَّ الفتى من قال ها أنا ذا..
دخل المجلس كما يدخل أيُّ شابٍ يعرف أن اسمه يسبقه بخطوة بل خطوات .. صافحوه بحرارة لا تتناسب وعمرة الصغير وجسدة الهزيل ، وفسحوا له المكان، وتبادلوا نظراتٍ تقول أكثر مما تقول الكلمات. جلس، وارتشف قهوته، لكنه لم يستطع أن يهرب من سؤالٍ بسيطٍ ومزعج: لماذا يُرحَّب بي هكذا؟
في البداية، حاول أن يقنع نفسه بأن الأمر عادي. ربما لأنه متعلم ثم ضحك فهو خريج مثل اكثر من نصف الشباب في عمرة ، أو لأنه لطيف هنا تذكر كيف ان صوته العالي يسبقة في شركة والدة اذا لم تنفذ اوامرة ، أو لأنه حاضر دائمًا. لا هو ليس كذلك فلا يجامل ولا يسلم ولل حتى يتصور مع احد ظنا منه ان صورته مرموقه! لكن شيئًا داخله همس: أم لأن… كان أبي؟
تسلّل إليه وجه صديقٍ قديم، لا يملك اسمًا كبيرًا، ولا تاريخًا يُروى في المجالس، لكنه كان إذا أخطأ اعتذر، وإذا غضب سكت، وإذا ائتمنوه على شيء حفظه. لم يكن صوته عاليًا، ولم يكن يتباهى بأحد، ومع ذلك كان محبوبًا بلا جهد. هناك قاوم فهم أن الفخر الحقيقي ليس بما ورثناه، بل بما نصنعه نحن.
تذكّر عبارةً قرأها يومًا لنيتشه: الإنسان يكذب لكي يتجمل. وابتسم بمرارة. نعم، نحن نعيد سرد قصصنا بطريقةٍ أجمل مما كانت، نُخفي ضعفنا، ونُبرّر أخطاءنا، ونمنح أنفسنا دور البطولة حتى في مشاهد لم نكن فيها سوى عابرين. نقنع أنفسنا أننا أفضل مما نفعل، ونرتاح لهذه الصورة.
لكن كيف نقيم أنفسنا بصدق؟
ليس بالتصفيق، ولا بعدد الدعوات، بل بطريقة تعاملنا مع الناس حين لا نحتاج إليهم. بأسلوبنا إذا اختلفنا، بصدقنا إذا غبنا عن الرقابة، بقدرتنا على الاعتذار دون أن ينكسر شيء في داخلنا.
أولاد الأصول يعرفون الأصول. لا يشتمون، ولا يتنمرون، ولا يستعلون. لا تمتد أيديهم إلى مال غيرهم، ولا يقتربون من ميراثٍ ليس لهم، ولا يخاصمون جارًا، ولا يطعنون في كرامة أحد. حضورهم مريح، وكلامهم موزون، وبيئتهم مرحّبة لأنهم ببساطة لا يرون أنفسهم فوق أحد.
وعلى الجانب الآخر، هناك من يمشي وكأن الأرض مُلكٌ خاص. يظن أنه مميز لسببٍ لا يعرفه إلا هو؛ ربما لأن عائلته معروفة، أو لأن رزقه واسع. ينسى أن كل نعمةٍ مسؤولية. ﴿وفي أموالهم حقٌ للسائل والمحروم﴾. الاسم سيُسأل: ماذا فعلت به؟ المال سيُسأل: أين أنفقته؟ والعلم سيُسأل: هل نفع أحدًا؟ فزكاة العلم أن يُعلَّم.
في نهاية السهرة، خفَّت الأصوات، وبقي السؤال. أدرك أن الترحيب لا يعني الاستحقاق، وأن الناس وإن صمتوا فهم يرون. فينا عيوبٌ للناس عيون.
خرج وهو أكثر هدوءًا. لم يعد يريد أن يكون امتدادًا لاسمٍ عائلة فقط، بل قيمةً قائمة بذاتها. وحين عاد إلى مرآته، لم يسألها من يكون أبوه، بل سأل نفسه: لو سقط كل شيء، ماذا يبقى مني؟ من انا ؟ من اكون ؟ ماذا قدمت ؟
هناك فقط يبدأ التقييم الحقيقي.