الرئيسية / أخبار / الحداثة.. لها ما لها، وعليها ما عليها..بقلم د. منى الروبي
د. منى الروبي

الحداثة.. لها ما لها، وعليها ما عليها..بقلم د. منى الروبي

ما بعد الحداثة ، في لحظةٍ ما بعد الحرب العالميه ، جلس العالم كله تقريبًا وقال “حسنًا.. يبدو أننا لا نفهم شيئًا”، ومن هنا قرر الفن أن يشارك في هذا الارتباك الجماعي، فظهر ما نسميه اليوم “فن ما بعد الحداثة”، أو كما يمكن تسميته ببساطة “فن ماذا يحدث هنا ؟”.

في الستينيات بدأ الفنانون يتمردون على فكرة أن الفن يجب أن يكون جميلًا، عميقًا، ومفهومًا “يا لها من شروط مرهقة”، قالوا: “لماذا لا يكون الفن بسيطا؟ مباشر متاح و رائج ؟  أو حتى مستفزًا لدرجة تجعلك تشك في نفسك؟”، وهكذا، بدأ كل شيء يتحول إلى مادة فنية، من الأشياء اليومية.. إلى أشياء لم يخطر ببال أحد أن يراها خارج سياقها.

خُذ مثلًا الفنان البريطاني Damien Hirst الذي قرر أن أفضل طريقة للتعبير عن الحياة هي عرض سمكة قرش ميتة داخل صندوق زجاجي بحجم غرفة تقف أمام فمه المفتوح كأنك تواجه الموت، تحاول أن تفهم، بينما داخلك صوت يقول “هل هذا ميت أو هو الموت؟”.

ثم يأتي الإيطالي Piero Manzoni ليقترح فكرة عبقرية  البهارات الثمينة في معرض، تجربة حسّية فلسفية؟ فجأة، الفلفل الأسود يصبح أعمق منك فكريًا، وأنت تقف تحاول أن تلحق به.

أما Maurizio Cattelan، فقد قرر اختصار كل هذا التعب، موزة ملصوقة على الحائط بشريط لاصق نعم موزة، هذا هو العمل الفني، لا زال العالم يفكر ماذا يقصد “وهذا هو المطلوب”  والأجمل أن أحدهم أكلها، في هذه اللحظة تحديدًا تشتتنا  من الفنان الحقيقي من لصق الموزة أم من أكلها.

وفي زاوية أخرى يظهر Jeff Koons أو جيف كونز، “وانا من معجبية” ليعيدنا لطفولتنا، لكن بسعر لا يناسب إلا الأثرياء جدًا، تماثيل ضخمة تشبه بالونات الحيوانات، لامعة وكأنها خرجت من حفلة عيد ميلاد، لكنها معروضة في متاحف عالمية. تشاهدها و احساس لا يمكن أن يخطئ وقتها بالاستمتاع.

ولا يمكن تجاهل Marina Abramović التي قررت أن تجعل نفسها هي العمل الفني، تجلس بالساعات تحدق في الناس، أو تسمح لهم بالتفاعل معها بطرقة اثبتت من أمن العقاب أساء الأدب، أنت لا تشاهد فنًا فقط، أنت تشعر أنك جزء من تجربة نفسية.

ردود الفعل؟ خليط رائع من الذهول، الضحك، والارتباك. البعض يدّعي الفهم غالبًا خوفًا من الإحراج، والبعض يضحك، والبعض الآخر يغادر وهو يتمتم “أكيد المشكلة فيّ”.

في النهاية.. فن ما بعد الحداثة لا يريد منك أن تفهمه، بقدر ما يريد أن يراك تحاول هو فنٌ يربكك، ويضحك عليك قليلاً، وربما يجعلك تضحك على نفسك أيضاً، لأنه ببساطة لم يعد يسأل: ما هو الفن؟ بل صار يقول: أنتَ الفن  بتساؤلك، ونقاشك، ووجهة نظرك، ورفضك، وتأييدك، وحتى حيرتك.