من علو بعيد حيث تراقب الأقمار الصناعية الأرض كعين إلهية لا تنام، ظهرت على خارطة السودان بقع حمراء داكنة في مدينة الفاشر، لا تشبه الرمال ولا ظل الغروب، بقع لُوّنت بدماء البشر، كأن الأرض نفسها تنزف وتبكي، كثبان من الجثث الشهداء و صوت نحيب يهز السماء.
صور التقطتها الأقمار كشفت عن مساحات مخضبة بالدم، عن رعب لم يعد خفيًا، وعن أصابع قذره تضغط على الزناد، الفاشر كاسية الكعبة يالذهب كانت تنام على الاهازيج، الآن من نام لا يستيقظ، ما يحدث هناك ليس حربًا عابرة ولا هي حرب أهلية بل إبادة اقتصادية، تُنفذ ببرود تحت غطاء الفوضى الإعلامية، تُدفن الجثث في الأراضي الزراعية الخصبة، ويُستخرج الذهب من صدور الجبال كأنها فدية الدم، ويُبحث في عمق الأرض عن اليورانيوم، وفي الساحل عن منفذ على البحر الأحمر، تُباد المدن ليُعاد رسم الخرائط، وتُقتل الشعوب ليولد وطن يُناسب الطامعين.
في هذا الخراب، لم يصمت الفن السوداني، بل صرخ باللون. الفنان عبد الرحمن عبد الله، سلمى الفاضل، جلال يوسف، الطيب حضيري، رسموا وجوهًا ممزقة تنزف صمتًا أكثر من الدم، أيادي مرتفعة عيون متأمله كأنها تقول: من يرسم الحرب، لا يراها من بعيد بل يعيشها في قلبه، أما صلاح المُر فحمل في لوحاته أرواح الناس البسطاء الذين أكلهم الغياب، فصار اللون وطنًا آخر يحتضن ما تبقّى من ذاكرة البلاد، هؤلاء الفنانون مثل جذور في الرمال، لم يمنعهم الغبار ولا الخوف من أن يصرخوا بالريشة حين خُنق الصوت.
وعبر التاريخ، لطالما كان الفن شاهدًا على المذابح، يحفظ الذاكرة حين تُقتل الحقيقة، غيرنيكا لبيكاسو ما زالت تصرخ في متحف مدريد، تصوّر نساء يرفعن أيديهن نحو السماء، وأحصنة تصهل كأنها تستغيث، ولوحته الأخرى مجزرة في كوريا جسّدت أطفالًا عُزّلًا يواجهون البنادق، في مشهد يكرره التاريخ بأسماء جديدة وأماكن مختلفة، وفي ألمانيا رسم أوتو ديكس الخندق ليخلّد وجوه الجنود الذين صاروا طينًا، وجثثًا بلا ملامح، ليقول للعالم الحرب تقتل حتى من ينجو منها.
واليوم، في السودان، تُكتب اللوحة بالدم لا باللون، يُدفن الناس بلا أسماء، وتُمحى المُدن كما تُمحى الخطوط من خريطة سياسية، لكن الأرض تتذكّر، والسماء تشهد، والفن يقاوم، كل ضوء في لوحة سودانية اليوم هو شمعة تُضاء في ظلام كثيف، وكل ضربة فرشاة هي محاولة لإنقاذ ما تبقّى من إنسان قبل أن يُمحى أثره.
أيها العالم، انظر إلى الفاشر، فليست البقع الحمراء على صور الأقمار مجرد دماء على الرمال بل قلب السودان ينزف، يناديك لتسمع، قبل ان يبدأ كالعادة عدل السماء الذي لا يترك مقدار ذره شر !!
