تقريرالبحرين/المنامة/ تشكل قضايا حقوق الإنسان اليوم أحد المعايير الأساسية التي تُقاس بها قوة الدول الحديثة، ليس فقط من حيث التشريعات، وإنما من خلال الممارسة اليومية، ومستوى الوعي المجتمعي، وقدرة المؤسسات الرسمية والأهلية على حماية الكرامة الإنسانية وترسيخ سيادة القانون، بما يجعل العمل الحقوقي جزءًا أصيلًا من المشروع الوطني الشامل، لا نشاطًا هامشيًا أو ظرفيًا. وفي هذا الإطار، تبرز أدوار مؤسسات المجتمع المدني الحقوقية بوصفها شريكًا فاعلًا في نشر الثقافة الحقوقية، وتعزيز الحوار، ومتابعة الالتزامات الوطنية والدولية، ضمن علاقة تكاملية مع مؤسسات الدولة.
وانطلاقًا من هذه الأهمية، أقامت جمعية البحرين لمراقبة حقوق الإنسان حفلًا خاصًا بمناسبة مرور 21 عامًا على تأسيسها، بالتزامن مع اليوم العالمي لحقوق الإنسان، في محطة جسّدت مسيرة ممتدة من العمل الحقوقي، وأتاحت فرصة لتقييم التجربة، واستشراف آفاق التطوير، وتجديد الالتزام بالقيم التي قامت عليها الجمعية منذ انطلاقتها.
وفي كلمته خلال الحفل أعلن الأمين العام لجمعية البحرين لمراقبة حقوق الإنسان الأستاذ فيصل فولاذ عن توجه الجمعية للعمل على إطلاق تحالف حقوقي بحريني يضم الجمعيات الحقوقية البحرينية المسجلة، بهدف توحيد الجهود وتعزيز التنسيق والعمل المشترك محليًا ودوليًا، موضحًا أن أول اجتماع لهذا التحالف سيعقد مطلع العام المقبل 2026، في خطوة تعكس انتقال العمل الحقوقي من المبادرات الفردية إلى الأطر المؤسسية الأوسع.
وأكد فولاذ أن مسيرة الجمعية، منذ تأسيسها عام 2004، لم تكن خالية من التحديات، إلا أنها ظلت ثابتة على مبادئها، تعمل من أجل وطن يحترم حقوق الإنسان، ويعزز سيادة القانون، ويكرّس قيم التعايش السلمي، مشيرًا إلى أن الجمعية نشأت وتطورت في ظل قيادة بحرينية رشيدة أرست دعائم دولة القانون والمؤسسات، ووفّرت البيئة اللازمة لنمو مؤسسات المجتمع المدني ودورها كشريك وطني في مسيرة التنمية.
وأوضح أن اختيار شعار الاحتفال هذا العام (قوتنا في وحدتنا) لم يأتِ كشعار احتفالي عابر، بل يعكس قناعة راسخة بأن التعددية والانفتاح والعمل المشترك بين الدولة والمجتمع المدني والإعلام والمواطنين هو المسار الحقيقي لبناء وطن مستقر ومزدهر، قادر على مواجهة التحديات وتعزيز منجزاته الحقوقية والتنموية.
وجدّدت جمعية البحرين لمراقبة حقوق الإنسان، خلال المناسبة، التزامها بمواصلة دورها في المراقبة المستقلة، والتوعية الحقوقية، والدفاع عن الكرامة الإنسانية، مؤكدة أنها ستظل شريكًا فاعلًا في دعم الجهود الوطنية الرامية إلى تحقيق التنمية والعدالة واحترام حقوق الإنسان، بما ينسجم مع الدستور البحريني والاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها مملكة البحرين.
وفي هذا السياق، دعت الجمعية إلى تفعيل الاستراتيجية الوطنية الشاملة لحقوق الإنسان، بما تتضمنه من آليات تنفيذ ومراقبة واضحة وشفافة، وبما يعزز الشراكة مع منظمات المجتمع المدني، ويمنحها دورًا أكبر وأكثر فاعلية، إلى جانب تفعيل دور المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان وتعزيز استقلاليتها وفاعليتها وفق مبادئ باريس الدولية، مشددة على أهمية تعزيز مبادئ الشفافية والمساءلة في المؤسسات الحكومية، وتفعيل آليات مكافحة الفساد عبر تشريعات فعالة، ومتابعة توصيات ديوان الرقابة المالية والإدارية، إلى جانب تحديث التشريعات الوطنية بما يتوافق مع الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي صادقت عليها المملكة، وتحسين مستوى معيشة المواطنين، والتأكيد على عدم فرض أي رسوم جديدة تمس الاستقرار الاجتماعي.
وفي ذات السياق طالبت الجمعية بحماية حرية الرأي والتعبير، ودعم الإعلام الوطني المسؤول بوصفه شريكًا أساسيًا في نشر الوعي الحقوقي، إضافة إلى تمكين المرأة والشباب وتعزيز مشاركتهم في الحياة العامة والسياسية، وتوسيع حضور المرأة في التمثيل النيابي، بما يعكس تطور المجتمع البحريني ودور فئاته المختلفة في عملية البناء الوطني،مشيدة بتجربة مملكة البحرين في تطبيق قانون العقوبات البديلة ونظام السجون المفتوحة، معتبرة أنها تمثل نموذجًا إنسانيًا متقدمًا في العدالة الجنائية، يجسد التوازن بين إنفاذ القانون وصون الكرامة الإنسانية، وأصبح محل إشادة إقليمية.
وشهد الحفل تكريم صحيفة (البلاد) بمنحها درع التميّز الإعلامي الحقوقي، تقديرًا لدورها في تسليط الضوء على قضايا المجتمع، وتعزيز ثقافة حقوق الإنسان، وترسيخ قيم العدالة والشفافية من خلال تغطيات مهنية مسؤولة عكست قرب الصحيفة من الشارع البحريني. وقد تسلّم الدرع الزميل إبراهيم النهّام ممثلًا عن الصحيفة، وذلك خلال الحفل الذي أقيم في مقر جمعية الهلال الأحمر البحريني بحضور عدد واسع من الحقوقيين والمهتمين بالشأن الإنساني.
وأوضح الأستاذ فيصل فولاذ أن منح الدرع جاء بعد تقييم مهني مستقل استند إلى معايير دقيقة شملت الشفافية، والحيادية، والمهنية التقنية، وتأثير الطاقم الصحفي، وجودة تناول القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، إضافة إلى قوة الحضور الرقمي والتفاعل عبر المنصات الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أن صحيفة «البلاد» حققت قفزة نوعية في الأداء الصحفي واجتازت جميع المعايير بامتياز.
كما شهدت الاحتفالية تكريم عدد من الشخصيات والمؤسسات، حيث بارك فولاذ فوز السيدة لولوة المران بدرع الشخصية الحقوقية لعام 2025، تقديرًا لعطائها الاجتماعي ونشاطها النسائي، وأشاد بجهود أكاديمية الشمس للنايكوندو والفنون القتالية بقيادة المدرب الدولي فريد الشايب بعد تحقيق لاعبيها ميداليات ذهبية في بطولة بريف الدولية، إلى جانب تهنئة مركز مايكرو آرت بقيادة الأستاذة زينب سوار على فوزه بالمركز الأول في الملتقى العربي الدولي «أولادنا» بالقاهرة، والإشادة بتفوق طلبة أكاديمية الشباب البحريني الحقوقي في دورتها الأولى.
واختُتم الحفل بتوجيه الشكر إلى أعضاء الجمعية، ومؤسسات المجتمع المدني، والإعلاميين، والمنظمات الدولية الداعمة، مع توجيه تحية خاصة إلى جمعية الهلال الأحمر البحريني على دعمها وكرم ضيافتها، والتأكيد على أن جمعية البحرين لمراقبة حقوق الإنسان ستواصل مسيرتها من أجل مملكة أكثر عدالة وكرامة وإنصافًا.