الرئيسية / أخبار / الوطن والعزوة في وقت الضيق..بقلم: نبيلة رجب
نبيلة رجب
نبيلة رجب

الوطن والعزوة في وقت الضيق..بقلم: نبيلة رجب

في خضم الأيام الثقيلة وجدت نفسي ألغي شيئا بعد شيء، مواعيد، التزامات كانت تبدو ضرورية قبل أيام، صارت فجأة قابلة للتأجيل، لم يكن الأمر قرارا واعيا بقدر ما كان استجابة طبيعية لظرف غير طبيعي، الإنسان في ضيق الخارج يتراجع نحو ما يشعره بالأمان.

لكن‭ ‬كان‭ ‬ثمة‭ ‬شيء‭ ‬واحد‭ ‬لم‭ ‬أستطع‭ ‬إلغاءه،‭ ‬ولم‭ ‬أفكر‭ ‬في‭ ‬إلغائه‭ ‬أصلاً،‭ ‬لقاءاتي‭ ‬بإخواني‭ ‬وأخواتي‭. ‬تلك‭ ‬الجلسات‭ ‬التي‭ ‬اعتدنا‭ ‬عليها،‭ ‬والتي‭ ‬صارت‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الأيام‭ ‬تحمل‭ ‬معنىً‭ ‬لم‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬قبل‭. ‬لم‭ ‬نتحدث‭ ‬دائماً‭ ‬عن‭ ‬الأوضاع،‭ ‬وما‭ ‬كنا‭ ‬نملك‭ ‬إجابات‭. ‬لكن‭ ‬الوجود‭ ‬في‭ ‬المكان‭ ‬ذاته،‭ ‬والضحكة‭ ‬التي‭ ‬تخرج‭ ‬بيننا‭ ‬وفيها‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬الارتياح،‭ ‬والدفء‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬تفسيراً،‭ ‬كان‭ ‬كافياً‭.‬

تأكدت‭ ‬حينها‭ ‬أن‭ ‬العائلة‭ ‬ليست‭ ‬رابطاً‭ ‬اجتماعياً‭ ‬يجمعنا‭ ‬في‭ ‬المناسبات‭. ‬هي‭ ‬الملاذ‭ ‬الذي‭ ‬يزداد‭ ‬قيمةً‭ ‬حين‭ ‬يضيق‭ ‬بنا‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬عداه‭. ‬حين‭ ‬تجلس‭ ‬بينهم‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬أن‭ ‬تشرح‭ ‬كيف‭ ‬تشعر،‭ ‬وجودهم‭ ‬يكفي‭. ‬شيء‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الروح‭ ‬يرتاح‭ ‬بين‭ ‬أهلك،‭ ‬ارتياحاً‭ ‬لا‭ ‬تجده‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬الأماكن‭ ‬بهجة‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬أوسع‭ ‬المجالس‭.‬

نحن‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬صار‭ ‬فيه‭ ‬الإنسان‭ ‬يملك‭ ‬آلاف‭ ‬المعارف‭ ‬ومئات‭ ‬المتابعين،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬يشعر‭ ‬بالوحدة‭ ‬في‭ ‬اللحظات‭ ‬الصعبة‭. ‬لأننا‭ ‬في‭ ‬جريان‭ ‬الحياة‭ ‬العادي‭ ‬نركض‭ ‬ونبني‭ ‬ونتوسع،‭ ‬وننسى‭ ‬أحياناً‭ ‬أن‭ ‬نتوقف‭ ‬عند‭ ‬من‭ ‬هم‭ ‬الأقرب‭ ‬إلينا‭. ‬ننسى‭ ‬أن‭ ‬نسأل،‭ ‬أن‭ ‬نزور،‭ ‬أن‭ ‬نجلس‭ ‬دون‭ ‬مناسبة‭.‬

لكن‭ ‬الحياة‭ ‬بما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬ضغوط‭ ‬ومسؤوليات‭ ‬تسرق‭ ‬منا‭ ‬أحياناً‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أغلى‭. ‬تسرقه‭ ‬بهدوء‭ ‬وببطء،‭ ‬والأيام‭ ‬تتراكم‭ ‬والمسافات‭ ‬تكبر‭ ‬ونحن‭ ‬منشغلون‭. ‬ويكتشف‭ ‬الإنسان‭ ‬قيمة‭ ‬هذه‭ ‬اللقاءات‭ ‬العائلية‭ ‬عندما‭ ‬تغيب‭ ‬فجأة،‭ ‬وتفرّقنا‭ ‬الظروف،‭ ‬أو‭ ‬يرحل‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬يجمعنا‭. ‬عندها‭ ‬فقط‭ ‬نتساءل‭: ‬لماذا‭ ‬أجّلنا‭ ‬اللقاء؟

الأزمات‭ ‬قاسية،‭ ‬لكنها‭ ‬صادقة‭. ‬تكشف‭ ‬ما‭ ‬خفي،‭ ‬وتُعيد‭ ‬ترتيب‭ ‬الأولويات‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تستأذن‭. ‬وما‭ ‬كشفته‭ ‬لي‭ ‬تلك‭ ‬الأيام‭ ‬أن‭ ‬أخاً‭ ‬يجلس‭ ‬بجانبك‭ ‬يساوي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬برنامج‭ ‬ألغيته،‭ ‬وأن‭ ‬أختاً‭ ‬تضحك‭ ‬معك‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬ضيق‭ ‬تعيد‭ ‬للقلب‭ ‬شيئاً‭ ‬من‭ ‬توازنه‭.‬

العائلة‭ ‬عزوة،‭ ‬هذه‭ ‬الكلمة‭ ‬التي‭ ‬نسمعها‭ ‬كثيراً‭ ‬ونرددها،‭ ‬لكننا‭ ‬نفهمها‭ ‬حقاً‭ ‬فقط‭ ‬عند‭ ‬الحاجة‭ ‬إليها‭. ‬العزوة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬الأعداد‭ ‬ولا‭ ‬بالحضور‭ ‬في‭ ‬المناسبات‭ ‬الكبيرة‭. ‬هي‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اللقاء‭ ‬البسيط‭ ‬الذي‭ ‬يخرج‭ ‬منه‭ ‬الإنسان‭ ‬أخف‭ ‬مما‭ ‬دخل‭. ‬في‭ ‬الاطمئنان‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬كلاماً‭ ‬كثيراً‭. ‬في‭ ‬الشعور‭ ‬بأن‭ ‬ثمة‭ ‬من‭ ‬يعرفك‭ ‬حقاً،‭ ‬قبل‭ ‬النجاحات‭ ‬وبعد‭ ‬الإخفاقات،‭ ‬في‭ ‬السعادة‭ ‬وفي‭ ‬القلق‭. ‬ومن‭ ‬امتلك‭ ‬هذا‭ ‬فهو‭ ‬الغني‭ ‬حقاً،‭ ‬ومن‭ ‬افتقده‭ ‬وجد‭ ‬نفسه‭ ‬وحيداً‭ ‬حتى‭ ‬وسط‭ ‬الزحام‭.‬

والتمسك‭ ‬بهذه‭ ‬العلاقات‭ ‬يمثل‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬هويتنا‭ ‬التي‭ ‬حملها‭ ‬البحريني‭ ‬جيلاً‭ ‬بعد‭ ‬جيل‭ ‬عبر‭ ‬دفء‭ ‬البيت‭ ‬المفتوح،‭ ‬وصلة‭ ‬الرحم‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تنقطع،‭ ‬والجار‭ ‬قبل‭ ‬الدار‭. ‬هذه‭ ‬القيم‭ ‬ليست‭ ‬عادات‭ ‬موسمية،‭ ‬هي‭ ‬نمط‭ ‬حياة‭ ‬متوارث‭.‬

لذلك‭ ‬عندما‭ ‬نحافظ‭ ‬على‭ ‬لقاءاتنا‭ ‬ونُبقي‭ ‬على‭ ‬صلاتنا‭ ‬رغم‭ ‬ضغوط‭ ‬الحياة،‭ ‬نحن‭ ‬نحافظ‭ ‬على‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬أصالتنا‭. ‬والبيت‭ ‬الذي‭ ‬تُصان‭ ‬فيه‭ ‬هذه‭ ‬العلاقات‭ ‬مدرسة‭ ‬يستقي‭ ‬منها‭ ‬أبناؤه‭ ‬القيم‭ ‬قبل‭ ‬أي‭ ‬كلام‭ ‬نقوله‭ ‬لهم،‭ ‬فالطفل‭ ‬الذي‭ ‬ينشأ‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكنف،‭ ‬يحمل‭ ‬معه‭ ‬رصيداً‭ ‬من‭ ‬الانتماء‭ ‬والأمان‭ ‬يظل‭ ‬معه‭ ‬طوال‭ ‬حياته‭.‬

المحافظة‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬العلاقات‭ ‬ضرورة‭ ‬إنسانية‭. ‬والوقت‭ ‬الذي‭ ‬نمنحه‭ ‬لأسرتنا‭ ‬لا‭ ‬يضيع،‭ ‬هو‭ ‬يعود‭ ‬إلينا‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬لا‭ ‬نتوقعها،‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬دعم‭ ‬لم‭ ‬نطلبه،‭ ‬وحضور‭ ‬لم‭ ‬ندعُ‭ ‬إليه،‭ ‬ومحبة‭ ‬لا‭ ‬تنتظر‭ ‬مناسبة‭.‬

وما‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬العائلة‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬الوطن،‭ ‬فالوطن‭ ‬عزوة‭ ‬أيضاً‭. ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬أبرزت‭ ‬شعورا‭ ‬كان‭ ‬دائماً‭ ‬في‭ ‬داخلنا‭ ‬لكن‭ ‬الظرف‭ ‬عمّقه،‭ ‬أن‭ ‬البحرين‭ ‬هي‭ ‬الأم‭ ‬الحاضنة‭ ‬التي‭ ‬تجمعنا‭ ‬جميعاً‭. ‬كما‭ ‬يشعر‭ ‬الإنسان‭ ‬بالأمان‭ ‬بين‭ ‬أهله،‭ ‬شعرنا‭ ‬بأمان‭ ‬مختلف‭ ‬حين‭ ‬أدركنا‭ ‬أننا‭ ‬في‭ ‬وطن‭ ‬يحمينا‭ ‬ونحمله‭.‬

الوطن‭ ‬ليس‭ ‬حدوداً‭ ‬جغرافية،‭ ‬هو‭ ‬ذلك‭ ‬الشعور‭ ‬العميق‭ ‬الذي‭ ‬يجمعنا‭ ‬في‭ ‬الشدة‭ ‬والرخاء،‭ ‬والذي‭ ‬يجعل‭ ‬الغريب‭ ‬يشتاق‭ ‬والمقيم‭ ‬يشعر‭ ‬بنعمة‭ ‬لا‭ ‬يدركها‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬عاش‭ ‬بعيداً‭ ‬عنها‭. ‬أما‭ ‬الانتماء‭ ‬الحقيقي‭ ‬فلا‭ ‬يُقاس‭ ‬بالكلام،‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬تمسك‭ ‬الإنسان‭ ‬بأرضه‭ ‬وبمن‭ ‬يحب،‭ ‬وفي‭ ‬إحساسه‭ ‬بأن‭ ‬هذا‭ ‬الوطن‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يُحمى‭ ‬ويُصان‭.‬

خرجت‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الأسابيع‭ ‬بيقين‭ ‬راسخ،‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يبقى‭ ‬حين‭ ‬يتزعزع‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬هو‭ ‬الناس‭. ‬فالمال‭ ‬والمنصب‭ ‬والانشغالات‭ ‬تمر‭. ‬أما‭ ‬الأهل‭ ‬والأحبة‭ ‬وإخوتنا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الوطن‭ ‬فيبقون،‭ ‬هم‭ ‬العزوة‭ ‬الحقيقية‭. ‬ومن‭ ‬يملك‭ ‬هذه‭ ‬العزوة،‭ ‬عائلةً‭ ‬ووطناً،‭ ‬لا‭ ‬يشعر‭ ‬بالضياع‭ ‬مهما‭ ‬اشتدت‭ ‬الأوقات‭.‬

ربما‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬أعمق‭ ‬هدايا‭ ‬الأوقات‭ ‬الصعبة،‭ ‬أنها‭ ‬تُعيدنا‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬دائما‭ ‬الأهم،‭ ‬لكننا‭ ‬كنا‭ ‬مشغولين‭ ‬عن‭ ‬رؤيته‭.‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com