تقرير البحرين/المنامة/ في حوار صحفي موسع نشرته صحيفة (الوطن) البحرينية مع القائم بأعمال الأمين العام للمؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية، المهندس إبراهيم دلهان الدوسري، برزت مجموعة من الأرقام التي لا يمكن التعامل معها بوصفها بيانات إحصائية عابرة، بل كمؤشرات على مسار مؤسسي تراكم عبر خمسة وعشرين عامًا منذ تأسيس المؤسسة عام 2001، مسار يعكس انتقال العمل الإنساني من نمط الرعاية التقليدية إلى نموذج مؤسسي مستدام يقوم على التخطيط، وقياس الأثر، وتوسيع الشراكات، والتحول الرقمي.
الأرقام التي كشفها الدوسري في الحوار تقدم صورة مكثفة لحجم الامتداد الاجتماعي للمؤسسة. ففي عام 2025 وحده ترعى المؤسسة 10,857 يتيمًا وأرملة، فيما بلغ إجمالي المكفولين منذ التأسيس 32,001 يتيم وأرملة. هذه الأرقام لا تعني فقط تضاعف نطاق الكفالة، بل تشير إلى استمرارية الرعاية عبر أجيال كاملة، وإلى قدرة المؤسسة على الحفاظ على التزام طويل الأمد تجاه فئات تحتاج إلى استقرار ممتد لا إلى تدخلات مؤقتة. وحين يُضاف إلى ذلك رقم 73,055 مستفيدًا من المساعدات الإنسانية منذ التأسيس، موزعين على مجالات العلاج والمعيشة والزواج ودعم الغارمين والمتضررين من الحريق والأمطار وجائحة كورونا، فإننا أمام شبكة حماية اجتماعية واسعة النطاق تتجاوز الإطار التقليدي للكفالة إلى بنية دعم متعددة المستويات.
الحوار يكشف أيضًا عن قدرة تعبئة مالية لافتة، خصوصًا في أوقات الأزمات. فحملة “فينا خير” وحدها جمعت 38 مليون دينار بحريني لدعم المتضررين من جائحة كورونا، وهو رقم يعكس ليس فقط حجم التفاعل المجتمعي، بل أيضًا الثقة المؤسسية في إدارة الموارد وتوجيهها بفاعلية. كما بلغ إجمالي التبرعات السنوية الأخيرة 1,315,035 دينارًا بحرينيًا، فيما أسفر احتفال اليوبيل الفضي عن جمع 2,404,900 دينار بحريني لدعم مبادرات عام 2026، ما يؤشر إلى انتقال المؤسسة من نمط التمويل التبرعي الموسمي إلى بناء شراكات داعمة أكثر استدامة.
ومن زاوية الحضور المجتمعي، أشار الدوسري إلى أن المؤسسة أبرمت خلال عام واحد 55 شراكة مجتمعية، ونفذت 180 برنامجًا وفعالية بمشاركة 6,878 مستفيدًا، وهو ما يعكس توسعًا في شبكة التكامل مع مؤسسات القطاعين العام والخاص، ويؤكد أن العمل الإنساني لم يعد قائمًا على مبادرات منفردة، بل على منظومة تعاون ممتدة. ويتعزز هذا التوجه في التحول الرقمي، إذ قدم مركز خدمة العملاء خدماته لـ 24,679 مستفيدًا، من بينها 17,976 خدمة افتراضية، في مؤشر واضح على تطوير قنوات الوصول وتقليل الكلفة الزمنية والإجرائية على المستفيدين.
الأرقام التي وردت في الحوار تكشف كذلك عن توجه تمكيني يتجاوز الإعانة المباشرة؛ إذ التحق 78 طالبًا وطالبة ببرامج البعثات والمنح، وتم تكريم 653 متفوقًا بنسبة 95% فأكثر، وتنظيم حفل زواج جماعي لـ 2020 شابًا وشابة، وتوفير 85 مضخة إنسولين وزراعة 16 قوقعة إلكترونية، إلى جانب استفادة 491 حالة من خدمات الإرشاد الأسري، وتنفيذ برامج تأهيل متخصصة لـ 38 يتيمًا من ذوي صعوبات التعلم. كما أظهرت دراسة علمية مشتركة تحقيق نسبة أمان نفسي أسري بلغت 98%، وهو رقم يعكس انتقال المؤسسة إلى مرحلة قياس الأثر وفق مؤشرات علمية، لا الاكتفاء بتسجيل عدد المستفيدين.
أما خارجيًا، فقد امتدت الإغاثة إلى أكثر من 16 دولة، من بينها غزة وأوكرانيا وتركيا واليمن والسودان، ما يضع المؤسسة في موقع فاعل إنساني يتجاوز الإطار المحلي، ويعكس بعدًا إقليميًا ودوليًا في العمل، خاصة مع استمرار التوسع في الشراكات الدولية والاستجابة السريعة للكوارث.
مجمل الأرقام التي عرضها المهندس إبراهيم الدوسري في حواره مع “الوطن” تقدم قراءة مختلفة لمسار المؤسسة خلال خمسة وعشرين عامًا؛ فهي لا تعكس فقط حجم الإنفاق أو عدد المستفيدين، بل تكشف عن تطور في فلسفة العمل نفسها، من الرعاية إلى التمكين، ومن الدعم الفردي إلى المنظومة، ومن التفاعل مع الحدث إلى التخطيط الاستراتيجي طويل المدى. وفي ضوء هذه المؤشرات، تبدو المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية وقد رسخت نموذجًا مؤسسيًا يعتمد على الاستدامة، وتوسيع الأثر، وقياس النتائج، بما يجعل الأرقام الواردة في الحوار تعبيرًا عن مرحلة نضج مؤسسي لا مجرد حصاد سنوي.