الرئيسية / أخبار / رشدان (كوج) _ المسرح البحريني..بقلم منى الروبي

رشدان (كوج) _ المسرح البحريني..بقلم منى الروبي

يُعدّ المسرح أحد أعرق الفنون الإنسانية وأكثرها قدرة على ملامسة الوعي الجمعي، إذ لا يكتفي بتقديم المتعة الجمالية، بل يعمل بوصفه مرآة صادقة للمجتمع، تعكس تناقضاته وأسئلته وتحولاته، على خشبته تُطرح القضايا الاجتماعية والإنسانية في صورة حية تجعل المتلقي شريكا في التفكير لا مجرد مشاهد. ومن هذا المنطلق جاء حضوري لمسرحية الكوج The Coach في الصالة الثقافية بالمنامة حيث وجدت نفسي أمام تجربة مسرحية واعية نجحت في الموازنة بذكاء بين الكوميديا والطرح النقدي العميق، مقدمة رؤية ساخرة لظاهرة معاصرة شديدة الحضور، هي زيف بعض مفاهيم التنمية البشرية وتحولها إلى تجارة.

قدّم العرض نفسه في قالب كوميدي خفيف الظل، لكنه في جوهره نص نقدي ساخر يشتبك مع الواقع الاجتماعي بوعي، ويطرح أسئلة تتجاوز الضحك إلى التأمل، تدور الأحداث حول شخصية سمير، التي جسدها النجم سامي رشدان، عامل تنظيف بسيط يجد نفسه فجأة في موقع (الكوج) بعد سفر المدرب الحقيقي الذي أداه خليل المطوع، هذا التحول الدرامي لم يكن مجرد أداة للإضحاك، بل مدخلا ذكيا لكشف هشاشة بعض الخطابات الجاهزة التي تُقدَّم تحت مسمى التطوير الذاتي، فببساطته وارتجاله ينجح سمير في إقناع المتدربين وحل مشكلاتهم، ما يفتح باب التساؤل حول قابلية المجتمع لتصديق أي خطاب مغلف بالشعارات البراقة.

تناولت المسرحية ضغط الحياة اليومية، والروتين الوظيفي، والحاجة النفسية للخلاص، لكنها قدّمت ذلك دون مباشرة أو وعظ، الضحك هنا أداة نقدية واعية، تجعل المتلقي يضحك ويفكر في آن واحد، وهو ما يمنح العمل قيمة فكرية واضحة، ويؤكد قدرة المسرح الكوميدي على حمل قضايا جادة دون أن يفقد جاذبيته.

كما يُحسب للعرض توظيف مخرجه المبدع حسن فلمرزي الواعي للتكنولوجيا من إضاءة ومؤثرات بصرية ووسائط رقمية، أسهمت في خلق فضاء معاصر ينسجم مع موضوع التنمية البشرية وثقافة العصر السريع، دون أن تفقد الخشبة روحها الحية، ويبرز كذلك إيمان سامي رشدان بأهمية إعداد أجيال جديدة من الممثلين، وهو ما يتجلى في التوزيع العادل للأدوار، وإتاحة المساحة للمواهب الشابة ضمن إطار احترافي منضبط.

وفي هذا السياق يتكامل الأداء الجماعي مع الخاتمة الفكرية للعرض، حيث يبرز الفنان حسين عبدعلي في دور مفصلي قُدّم بحرفية عالية ووعي درامي لافت، شكّل توازنا مهما داخل البناء المسرحي، كما تضيف معالي بحضورها وخفة ظلها طاقة مبهجة تعزّز الإيقاع الكوميدي وتقرّب العرض من الجمهور. وقد لفت الانتباه أيضا أحمد رشيد في انطلاقة موفقة، خاصة في وقوفه إلى جانب الكوج، بما يعكس طاقة شابة واعدة تستحق المتابعة.

في المحصلة تؤكد (مسرحية الكوج) أن الضحك الواعي يظل أحد أنبل أشكال الحوار الثقافي والتغيير، وأن المسرح، حين يُقدَّم بصدق وذكاء، يبقى مساحة حية للتفكير والدهشة معًا.