في زحمة الحياة اليومية، ونحن نتنقل بين المرافق الحكومية لإنجاز مهامنا، نادراً ما يتوقف المرء عند تجربة تستحق التأمل والتسجيل، غير أن زيارتي أمس لمقر النيابة العامة في المنطقة الدبلوماسية بالمنامة كانت من تلك اللحظات النادرة التي تجعلك تتوقف، وتسأل نفسك: ما سرّ هذا؟
لم أكن أتوقع أن أُفاجأ، فالزيارة كانت لإنجاز مهمة محددة، والذهن مشغول بما يُتمّ وما يُنجز. لكن المبنى بدا لي منذ الوهلة الأولى وكأنه يعلن عن نفسه بصمت مهيب ورقيٍّ واضح، مقر يليق بمؤسسة تحمل على عاتقها شعلة العدالة التي أرستها الرؤية الملكية السامية من لدن حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البحرين المعظم حفظه الله ورعاه، والفكر النيّر لصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله.
المبنى مصمَّم بعناية لا لأن يُرهب بل ليطمئن، لا ليُعقّد بل ليُيسّر، ومن عتبة المدخل، استقبلني رجل الأمن الأسمر بابتسامة حارة وتحية مؤدَّبة، تنمّ عن تربية حقيقية وثقافة مؤسسية راسخة، لم يكتفِ بالابتسامة بل أرشدني بهدوء واحترام إلى جهاز استخراج تذكرة الدور، كأنه يقول لك دون كلام: أنت هنا بين أيدٍ أمينة.
جلستُ في منطقة الانتظار، وللمرة الأولى منذ زمن لم أُحسّ بثقل الانتظار ولا بوطأته، المكان مُرتَّب كأنه يعكس نظام العقول التي تُديره، نظيف نظافة تشير إلى اعتزاز حقيقي بالمكان، والشاشات المنتشرة بذكاء تُنبّهك بهدوء حين يحين دورك فلا فوضى ولا ارتباك، ولفت نظري بشكل خاص تلك الشاشات الإرشادية التوعوية، التي تعرض معلومات تمسّ المواطن مباشرة بأسلوب مدروس يجمع بين الوضوح والتكرار الجميل حتى ترسخ المعلومة في الذهن دون إملال، وهذا في حد ذاته دليل على أن من صمّم هذه التجربة لم يفكر في المبنى فحسب بل فكّر في الإنسان الذي سيدخله.
حين حان دوري، قابلني موظف تجلّى فيه ما تُغرسه المؤسسة في منتسبيها، ابتسامة صادقة وكلمات طيبة وأسلوب يجمع بين المهنية والإنسانية، ولم تأخذ المعاملة سوى دقائق معدودة، فغادرتُ المكان وفي نفسي ارتياح عميق وسعادة حقيقية بما شهدتُه وعشتُه.
وأنا في طريق الخروج سألت نفسي: ما مصدر هذا التميز؟ والإجابة واحدة لا تتعدد وهي القيادة، تلك القيادة التي لا تكتفي بإصدار التعليمات بل تستثمر في بناء الإنسان وتزرع في نفسه الثقة والاعتزاز بعمله، القيادة الحقيقية هي التي تحوّل موظف الأمن إلى سفير للترحيب وموظف الخدمة إلى صانع ثقة وقاعة الانتظار إلى فضاء من الطمأنينة.
ومن هنا لا يسعني إلا أن أُحيّي سعادة الدكتور علي بن فضل البوعينين رئيس النيابة العامة بمملكة البحرين متعه الله بالصحة والعافية على ما أرسى من ثقافة مؤسسية راقية جعلت من النيابة العامة نموذجاً يُحتذى به في تقديم الخدمة العدلية بروح إنسانية رفيعة، فالتميز الذي شهدتُه لا يُبنى في يوم بل هو ثمرة رؤية ثاقبة وإيمان راسخ بأن المواطن يستحق الأفضل دائماً.
وفي ختام هذه الوقفة، لا يفوتني أن أُحيّي كل العاملين في هذا المرفق الحيوي الحساس، من حارس المدخل إلى آخر موظف في أقصى الممرات، فكلهم شركاء في هذا البناء الجميل وصنّاع لهذه التجربة الإنسانية الراقية. وأسأل الله العلي القدير أن يوفقهم جميعاً ويبارك لهم فيما يقومون به من عمل جليل يخدمون به وطنهم ومواطنيهم.