المجلس الرمضاني لمنى الروبي #٤
قررت هذا الأسبوع أن أتوقف قليلًا أمام شخصية قديمة قدم الحكايات الإنسانية: (البخيل)، وليس البخيل فقط من يمسك يده عن المال، بل هو في الحقيقة حالة نفسية كاملة؛ روح تخاف العطاء كما يخاف نضوب الرزق.
كنت أتأمل فكرة بسيطة تقول: لا ينبت زرع في يد بخيل، اليد التي لا تعطي لا تعرف سر البركة، لأن العطاء في جوهره ليس تبادل أشياء فقط، بل حركة حياة. كل ما في الكون يتحرك بالعطاء: الشمس تعطي نورها، والأرض تعطي ثمرها، والإنسان حين يعطي بالاعمار سواء اعمار نفس او اعمار ارض يكتشف أنه في الحقيقة يوسع نفسه لا ينقصها.
الفلاسفة تأملوا هذا المعنى بطريقتهم، فالفيلسوف الصيني لاو تسي في فلسفة الطاو تحدث عن توازن الطاقات في الكون؛ طاقة تعطي وأخرى تستقبل، وبهذا التوازن يولد الانسجام وإذا اختلت المعادلة اختل النظام.
وفي العلاقات الإنسانية يظهر هذا التوازن بوضوح، الأنوثة بطبيعتها طاقة استقبال واحتواء، بينما الذكورة طاقة بذل وعطاء، وما يوازي طاقة الجمال والرقة عند المرأة، يوازي عند الرجل طاقة البذل، فالرجل لا تُقاس مكانته في قلب المرأة بما يملك، بل بما يعطي. العطاء هنا ليس مالًا فقط، بل اهتمامًا بتفاصيلها، لطفا بمعاملتها وجودا صادقًا في حضرتها.
ولهذا فإن الرجل حين يبذل يشعر بامتلاء ذكورته، والمرأة حين تستقبل هذا البذل تمنحه معنى الاستمرار. لكن إذا بخل الرجل، أو تحول إلى من ينتظر العطاء بدل أن يقدمه، فإنه يفقد شيئًا من حضوره الذكوري في عين المرأة، ومع الوقت قد تفقد اهتمامها به، لا لأنها قاسية، بل لأن فطرتها تنجذب إلى طاقة العطاء القويه المترجمه من ايام رجل الكهف، حيث يخرج للصيد لياتي اخر النهار بغزال سمين يعطية للمرأه . التي بدورها تحول غزاله لوجبه وحب و تجمع عائلي.
ولعل في مفهوم القوامة حكمة دقيقة، فهي ليست سلطة بقدر ما هي مسؤولية تقوم على البذل والرعاية.
وقد التفتت دراسات العلاقات الإنسانية الحديثة إلى فكرة لافتة: لكي نفهم كيف نحب من نحب، علينا أن نستمع لما يقوله الآخر، فكل إنسان يبوح بطريقة غير مباشرة بما يحتاجه، حين لا نبخل ان نصغي جيدًا و نفهم كيف يحب أن يُهتم به.
والعلاقات في جوهرها تشبه الأرض؛ ما يُزرع فيها يعود، لذلك تقول الحكمة الشعبية: إذا أعطيت طحينًا عاد إليك خبزًا، وإذا أعطيت حبًا عاد إليك راحة بال.
وقد امتلأ التراث العربي بصور البخل الطريفة، ولعل أشهرها ما جمعه الجاحظ في كتابه الشهير (البخلاء) ومن طرائفه أنه ذكر رجلاً دعا ضيفًا إلى بيته، فلما جلسا للطعام أخذ صاحب البيت يطفئ السراج كلما مدّ الضيف يده إلى الطبق، تعجب الضيف وقال: لمَ تطفئ السراج كل مرة؟ فأجابه الرجل ببرود: حتى اتالم و انا أراك تأكل كثيرًا!
ضحك الجاحظ من هذه الحكايات، لكنه في الحقيقة كان يكشف طبيعة نفسية عميقة: البخيل يرى العطاء خسارة، بينما الحياة كلها قائمة على العطاء.
ومن غباء البخيل أنه لا يدرك ما يفقده، يظن أنه يحتفظ بالأشياء حين يمسكها و يالكلمات حين يشعرها، بينما الحقيقة أنه يخسر مشاعرى ببطء حتى تتبلد، فالعلاقات لا تنهار فجأة، بل تذبل تدريجيًا، كما تذبل الوردة حين يقل عنها الماء يومًا بعد يوم.
لهذا يبقى الكرم أكثر من فضيلة اجتماعية؛ إنه فهم لطبيعة الحياة. فالعطاء لا ينقص الإنسان، بل يجعله أوسع حضورًا في قلوب من يحب.
وفي النهاية، انتهز فرصة هذا الشهر الفضيل راجع كم كسبت من رصيدك الإنساني. وكيف تعززه.