الرئيسية / أخبار / مملكة البحرين تواصل التوسع في تطبيق العقوبات البديلة.. و10885 مستفيداً منذ بدء العمل بالقانون

مملكة البحرين تواصل التوسع في تطبيق العقوبات البديلة.. و10885 مستفيداً منذ بدء العمل بالقانون

تقرير البحرين/ المنامة/ خالد أبوأحمد / تُرسّخ مملكة البحرين يوماً بعد يوم مكانتها نموذجاً متقدماً في منظومة العدالة الجنائية الإنسانية، إذ كشفت الإدارة العامة لتنفيذ الأحكام والعقوبات البديلة عن استبدال عقوبة 220 محكوماً عليهم في أحدث دفعة، ليرتفع إجمالي المستفيدين من تطبيق قانون العقوبات البديلة منذ بدء العمل به إلى 10885 مستفيداً، في مسيرة إصلاحية تُجسّد قناعة راسخة لدى القيادة البحرينية بأن احترام الإنسان هو حجر الزاوية في أي مشروع تنموي مستقر، وأن العدالة الحقيقية لا تقتصر على العقاب، بل تمتد إلى التأهيل وإعادة البناء.

وجاءت هذه الخطوة بعد التنسيق مع النيابة العامة وقاضي تنفيذ العقاب، في إطار التوجيهات الملكية السامية بالتوسع في تطبيق أحكام القانون، وأكد سعادة الشيخ خالد بن راشد آل خليفة، مدير عام الإدارة العامة لتنفيذ الأحكام والعقوبات البديلة، أن المشروع يحظى بدعم متواصل من صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، باعتباره مشروعاً حضارياً يجسّد اهتمام مملكة البحرين الراسخ بحقوق الإنسان وتطوير منظومة العدالة الجنائية وفق أسس إصلاحية إنسانية متوازنة، مشيداً بالمتابعة المستمرة من الفريق أول معالي الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة، وزير الداخلية، في تعزيز آليات التنفيذ وفق معايير الشفافية والانضباط.

رقم يروي قصة إنسانية

رقم الـ 10885 ليس مجرد إحصاء إدارياً يُضاف إلى سجلات الأداء الحكومي، بل هو ترجمة حية لفلسفة إنسانية راسخة. فخلف كل رقم في هذه الإحصاءات أسرة احتُفظ بعائلها، ووظيفة لم تُفقد، وعلاقة اجتماعية لم تتفتت، وإنسان مُنح فرصة ثانية لإعادة بناء ذاته بعيداً عن وصمة السجن التي كثيراً ما تكون أشد وطأةً من العقوبة ذاتها. وإذا كانت هذه الأرقام تعكس إنجازاً مؤسسياً، فإنها في الوقت ذاته تكشف عن قناعة راسخة لدى القيادة البحرينية بأن احترام الإنسان هو حجر الزاوية في أي مشروع تنموي مستقر.

اهتمام البحرين بحقوق الإنسان لا يُختزل في قانون واحد أو إجراء منفرد، بل يتجلى في بنى تشريعية وهياكل مؤسسية وخطط وطنية تعكس إدراكاً عميقاً لمفهوم الحقوق بمضمونه الشامل. وكثيراً ما تُحصر حقوق الإنسان في بعدها السياسي فقط، دون الانتباه إلى أن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والصحية والتعليمية هي مكونات لا تقل أهمية. في هذا السياق، أحرزت البحرين تقدماً ملموساً تستدل عليه لغة الأرقام: أكثر من 99% من المواطنين مشمولون بالرعاية الصحية، ونسبة التحاق الفتيات بالتعليم العالي تجاوزت 60%، فضلاً عن برامج إسكانية ومساعدات اجتماعية للفئات الضعيفة. وعلى صعيد الانخراط الدولي، صادقت البحرين على اتفاقية مناهضة التعذيب والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وشاركت في جولتي الاستعراض الدوري الشامل في مجلس حقوق الإنسان الأممي عامي 2017 و2022، مع قبول غالبية التوصيات المقدمة، مما يُظهر نية واضحة في التفاعل المسؤول لا التهرب.

وعلى الصعيد المؤسسي الرقابي، أسست المملكة هياكل رقابية غير مسبوقة خليجياً؛ إذ تلقت الأمانة العامة للتظلمات أكثر من 1600 شكوى منذ تأسيسها مع نشر تقارير شفافة حول الحالات والتحقيقات، فيما تضطلع مفوضية حقوق السجناء والمحتجزين بزيارات مفاجئة للمراكز الإصلاحية وإصدار تقارير دورية حول ظروف الاحتجاز، في حين تحقق وحدة التحقيق الخاصة المنشأة عام 2012 في مزاعم سوء المعاملة، وقد أُحيل عدد من أفراد الأمن للمحاكمة وصدرت بحقهم أحكام بالإدانة في بعض القضايا. وقد أطلقت المملكة الخطة الوطنية لحقوق الإنسان 2022-2026، وهي استراتيجية شاملة تهدف إلى دمج مبادئ حقوق الإنسان ضمن النسيج الوطني بصورة مستدامة.

فلسفة تتجاوز العقوبة

في سياق هذه المنظومة الحقوقية الشاملة، جاء قانون العقوبات البديلة رقم 18 لسنة 2017 تتويجاً لمسار إصلاحي متراكم، ثم جاء تعديل 2021 ليوسّع نطاق تطبيقه ليشمل مرحلة ما قبل دخول السجن لا ما بعده فحسب. والسؤال الجوهري الذي يطرحه هذا القانون هو: ما الغاية الحقيقية من العقوبة؟ الإجابة التي اختارتها البحرين ترسمها أرقامها وتشريعاتها بوضوح. فالعقوبة السالبة للحرية في غير الجرائم الجسيمة تحمل آثاراً مضاعفة لا تطال المحكوم عليه وحده، بل تمتد لتضرب أسرته ومصدر رزقه ومكانته المجتمعية، مما قد يُعمّق الجرح بدلاً من أن يُداويه، ويدفع نحو العودة إلى الجريمة بدلاً من الإصلاح.

وفي تجربة نادرة في العالم العربي، دشّنت البحرين برنامج السجون المفتوحة امتداداً مبتكراً لقانون العقوبات البديلة، إذ يسمح البرنامج لبعض المحكومين بقضاء يومهم خارج مركز الإصلاح لدى أسرهم أو في أعمالهم ثم العودة مساءً، لتسهيل اندماجهم التدريجي في المجتمع. وقد بلغ عدد المستفيدين من هذا النظام حتى مطلع 2024 نحو 105 نزلاء، وتُعد هذه الخطوة تطوراً نوعياً في فلسفة العدالة الجنائية يعكس انتقالاً حقيقياً من “العقوبة” إلى “الإصلاح”. وتترجم هذه الفلسفة ميدانياً برنامجا “تمام” للتأهيل وإعادة الإدماج، وبرنامج “سامع” لأعمال المنفعة العامة، اللذان يمثلان الذراع التنفيذية لهذه المنظومة.

الاستثمار في الإنسان: من الطفولة حتى الشباب

ولا تقف رؤية البحرين الإنسانية عند حدود إصلاح المنظومة الجزائية، بل تمتد إلى بناء الإنسان منذ نشأته. ففي عام 2022 أُطلقت استراتيجية الطفولة المبكرة 2023-2027 بالشراكة مع منظمة يونيسف، تستهدف حماية حقوق الطفل في التعليم والصحة والحماية من الإساءة. أما على صعيد الشباب، فقد دشّنت البحرين سياسة وطنية واضحة تتناغم مع أهداف التنمية المستدامة، تُشرك الشباب في رسم السياسات وتطوير برامج الابتكار والتمكين الاقتصادي. وهذا التوجه يعكس قناعة القيادة البحرينية بأن حقوق الإنسان تبدأ من الطفولة وتتبلور في الشباب، وأن بناء الإنسان لا يُترك للظروف بل يحتاج إلى مؤسسات وشراكات وإرادة سياسية.

إن البحرين لا تدّعي المثالية، لكنها تؤكد بوضوح أن الإصلاح الحقوقي ليس استجابة لضغط خارجي بل خيار وطني نابع من رؤية التنمية المستدامة. والدولة التي تبني مؤسسات رقابة مستقلة، وتُطلق خططاً وطنية مدروسة، وتُرسّخ قوانين إصلاحية تضع الإنسان في مركز المعادلة، هي دولة لا تنكر أخطاءها بل تُصلحها بإرادة سيادية ومسؤولية حضارية. وما الوصول إلى رقم 10885 مستفيداً إلا دليل ناطق على أن هذه الفلسفة ليست حبراً على ورق، بل واقع يُبنى يوماً بعد يوم.