الرئيسية / أخبار / غينيا-بيساو.. فرص استثمارية واعدة أمام البحرين والخليج

غينيا-بيساو.. فرص استثمارية واعدة أمام البحرين والخليج

كتب- خالد ابواحمد/في الوقت الراهن أصبحت الفرص الاقتصادية  تزداد اقبالا من اصحاب الفكر الاقتصادي النير حيث تزداد المنافسة على الموارد ومن هنا تبرز القارة الافريقية  كأرض المستقبل للاستثمارات العالمية، خصوصًا مع نمو سكانها المتسارع، ووفرة مواردها الطبيعية، وحاجتها الماسّة إلى البنية التحتية والتنمية. وفي هذا السياق، تأتي غينيا-بيساو، الدولة الصغيرة الواقعة على ساحل الأطلسي، كحالة تستحق التوقف عندها، لأنها على صغر حجمها تمثل بوابة استراتيجية يمكن لدول الخليج – وفي مقدمتها البحرين – أن تنطلق منها نحو أسواق غرب إفريقيا.

زراعة الكاجو

تشكل زراعة الكاجو العمود الفقري لاقتصاد غينيا-بيساو، إذ يُمثل أكثر من ثمانين في المئة من صادراتها، ورغم ذلك فإن تسعين في المئة من الإنتاج يُصدَّر خامًا إلى الهند وفيتنام لمعالجته وإعادة تصديره للأسواق الأوروبية والأمريكية. هذه المفارقة تكشف عن فجوة استثمارية ضخمة للشركات البحرينية والخليجية، حيث إن إنشاء مصانع للتصنيع الغذائي والتعبئة والتسويق داخل غينيا-بيساو نفسها سيغير المعادلة تمامًا. والنموذج ليس جديدًا، فقد نجحت شركات خليجية في السودان وتنزانيا بإنشاء مصانع لمعالجة السمسم والفول السوداني والذرة البيضاء، وحققت أرباحًا مضاعفة عبر تصدير المنتجات النهائية بدل المواد الخام. البحرين قادرة على نقل هذه التجربة إلى غينيا-بيساو من خلال شراكات ثلاثية بحرينية – غينية – برتغالية تستفيد من القرب الثقافي واللغوي مع البرتغال.

البنية التحتية في غينيا-بيساو متواضعة للغاية، إذ تعاني من شبكة طرق محدودة، وميناء بيساو بحاجة ماسة للتحديث، ومشكلات مزمنة في الكهرباء والاتصالات، هذه القطاعات تمثل مجالًا خصبًا للشركات الخليجية المتخصصة، فالتجربة في السنغال مثلًا أثبتت نجاح الشركات القطرية والإماراتية في بناء مطار داكار الجديد، الذي أصبح من أنجح المشاريع في غرب إفريقيا، كما أن شركات خليجية في موزمبيق نفذت مشاريع موانئ ومحطات كهرباء عززت مكانتها كشريك تنموي موثوق. تكرار هذه التجارب في غينيا-بيساو ليس مستحيلًا، خصوصًا أن البحرين تمتلك خبرة متميزة في إدارة الموانئ عبر شركة موانئ البحرين (APM Terminals Bahrain)، والتي يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في تطوير ميناء بيساو وتحويله إلى مركز إقليمي للتجارة البحرية.

إحدى نقاط ضعف غينيا-بيساو هي هشاشة النظام المالي وضعف انتشار الخدمات المصرفية الحديثة، وهنا يبرز دور البحرين كمركز مالي إقليمي يمكنه أن يسد هذه الفجوة. فالبنوك البحرينية والخليجية تستطيع أن تُنشئ مكاتب إقليمية أو شراكات مصرفية في بيساو، مما يوفر تمويلًا لمشاريع البنية التحتية، ويقدّم تسهيلات ائتمانية للتجار المحليين، ويتيح خدمات تحويلات مالية تربط غرب إفريقيا بالخليج. وقد أثبتت التجربة نجاحها سابقًا في نيجيريا وغانا حيث لعبت البنوك الخليجية دورًا متزايدًا في تمويل التجارة، وهو ما يمكن تكراره مع غينيا-بيساو، خاصة أن الأخيرة مرتبطة بالفضاء البرتغالي الذي يشمل أنغولا وموزمبيق والبرازيل، وهو فضاء اقتصادي يفتح الباب أمام فرص أوسع.

أما السياحة، فهي تمثل الكنز غير المستغل في غينيا-بيساو. فجزر بيجاجوس المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، تمتلك بيئة طبيعية خلابة وبكر، تجعلها مقصدًا مثاليًا للسياحة البيئية المستدامة. المستثمرون الخليجيون، وخاصة البحرينيون الذين يمتلكون تجربة عريقة في قطاع الضيافة والفنادق، قادرون على تأسيس منتجعات سياحية صديقة للبيئة تستقطب شريحة السياحة الأوروبية الباحثة عن الطبيعة العذراء. وتجارب مماثلة في زنجبار بتنزانيا أظهرت كيف يمكن لرؤوس الأموال الخليجية أن تحدث طفرة سياحية خلال فترة قصيرة، وهو ما يمكن أن يتكرر في غينيا-بيساو إذا ما وُفرت البنية التحتية اللازمة.

وعند النظر إلى مؤشرات نجاح الاستثمارات الخليجية في غرب إفريقيا، نجد أن الإمارات عززت حضورها في المنطقة عبر موانئ دبي العالمية التي أدارت موانئ كبرى في السنغال ونيجيريا، ونجحت في جعلها منصات لوجستية متقدمة، كما أن قطر استثمرت في مجالات الطاقة والبنية التحتية في موزمبيق، ما أعطاها نفوذًا اقتصاديًا متزايدًا، والسعودية عبر صندوق الاستثمارات العامة بدأت خطوات في إفريقيا بالتركيز على الزراعة واللوجستيات. البحرين، رغم صغر حجمها، إلا أن خبرتها في الخدمات المالية والموانئ تجعلها قادرة على لعب دور الوسيط الاستثماري بين الخليج وإفريقيا الناطقة بالبرتغالية.

هذه المؤشرات كلها تثبت أن الحضور الخليجي في غرب إفريقيا آخذ في التوسع، وغينيا-بيساو يمكن أن تكون الحلقة التالية في هذه السلسلة، خصوصًا إذا ما استُغلت ضمن إطار تعاون جماعي خليجي يجعل من الاستثمار أكثر أمانًا وأوسع أثرًا.

وعلى الرغم من هذه الفرص الواعدة، فإن التحديات لا يمكن إنكارها، فغينيا-بيساو تعاني من عدم استقرار سياسي متكرر ومن ضعف في التشريعات والمؤسسات، وهو ما قد يشكل عائقًا أمام الاستثمارات المباشرة. غير أن هذا العائق يمكن التغلب عليه عبر الدبلوماسية الاقتصادية، إذ تستطيع البحرين أن تتحرك ضمن إطار أوسع يشمل مجلس التعاون الخليجي أو الجامعة العربية أو حتى منظمة التعاون الإسلامي لتأمين بيئة استثمارية أكثر استقرارًا من خلال الاتفاقيات الثنائية والدعم التنموي.

في المحصلة، تبدو غينيا-بيساو دولة صغيرة بحجمها لكنها تحمل فرصًا اقتصادية ضخمة في الزراعة والبنية التحتية والتمويل والسياحة البيئية. البحرين بما تملكه من خبرة مالية وتجارية ولوجستية، قادرة على أن تجعل من هذا البلد الصغير منصة تربط الخليج بإفريقيا الناطقة بالبرتغالية. والخطوة الأهم هي أن تُبنى هذه الاستثمارات ضمن إطار دبلوماسية اقتصادية خليجية موحدة تُقلل المخاطر وتفتح الباب أمام عوائد استراتيجية طويلة الأجل.

*(رئيس تحرير موقع تقرير البحرين)