في زقاق ضيّق من مدينة باندربور بالهند، أبصر النور عام 1915 طفل هزيل الملامح اسمه مقبول فدا حسين. لم يكن أحد يتخيل أن هذا الطفل، الذي فقد أمه باكراً وعاش في كنف أب متواضع الحال وزوجة أب صارمة، سيصبح لاحقاً واحداً من أعظم فناني القرن العشرين، نشأ حسين وسط فقر وأوضاع سياسية متوترة، حيث كانت الهند ترزح تحت الاستعمار البريطاني، فامتلأت طفولته بالشعور بالحرمان والبحث عن معنى للحياة. كان يجد في الرسم على الجدران والرمال ملاذاً ، وكأن الألوان جاءت لتعوضه عن حضن الأم الغائب.
حين انتقل إلى بومباي في شبابه، وجد نفسه أمام عالم صاخب من السينما والملصقات الدعائية، عمل لساعات طويلة يرسم وجوه الممثلين، وتعلم كيف يختزل الملامح في خطوط سريعة وجرأة لونية لافتة. هذه التجربة صقلت موهبته ومنحته الأساس الذي سيبني عليه أسلوبه لاحقاً، في عام 1935 التحق بمدرسة الفنون الجميلة، وهناك بدأ يكوّن لغته البصرية الخاصة، متأثراً بالحداثة الأوروبية لكنه متمسك بروح الهند، بما تحمله من أساطير وطقوس وشخصيات مقدسة.
في الأربعينات شارك بتأسيس جماعة بومباي للفنانين التقدميين، وكانوا يسعون إلى كسر القوالب التقليدية وصنع فن جديد يواكب تطلعات الهند نحو الاستقلال. لوحاته امتلأت برموز الحرية، فالحصان الجامح ظل يتكرر فيها كإشارة إلى الانطلاق وكسر القيود. كما رسم غاندي بروحانية تشي بالقداسة، في محاولة لالتقاط لحظة تاريخية تعيد صياغة هوية الأمة.
مع مرور السنوات تجاوزت شهرته حدود الهند، نال أوسمة رفيعة ودخلت أعماله متاحف كبرى، لكن ذلك لم يجنبه الصدام. لوحاته التي تناولت الآلهة الهندوسية بأسلوب جريء أثارت جدلاً واسعاً، وتعرض لملاحقات قضائية وتهديدات دفعته إلى مغادرة وطنه. وجد في قطر ملاذاً دافئاً، حيث عاش بين الدوحة ولندن ودبي، وحظي هناك بتقدير كبير؛ فقد مُنح الجنسية القطرية، وأقام في استوديو واسع يواصل فيه الرسم بشغف طفل لم يهدأ. كانت قطر بالنسبة له وطنًا بديلًا يتيح له حرية الإبداع، فأنجز في سنواته الأخيرة أعمالاً ضخمة كلوحات (ملحمة العرب) التي عكست شغفه بالثقافة العربية وتقديره لعمقها الرمزي.
رحل حسين عام 2011 في لندن، عن عمر ناهز السادسة والتسعين. لكنه ترك وراءه إرثاً فنياً جعل منه أكثر من مجرد “بيكاسو الهند”، بل صوتاً إنسانياً حمل في ألوانه رحلة يتيم فقير صار رمزاً عالمياً، ظل يرسم حتى أنفاسه الأخيرة وكأن الحياة لم تكن تكفيه ليقول كل ما يريد.
