الرئيسية / أخبار / الفن بين الحرب والسلام..بقلم د. منى الروبي
د. منى الروبي

الفن بين الحرب والسلام..بقلم د. منى الروبي

ليست الحرب نقيض السلام، بل نسخته المشوّهة، كأن السلام كان فكرة جميلة، ثم مرّت عليها يد متعبة فحرّفت ملامحها. الحرب لا تبدأ برصاصة، بل حين يضيق صدر الإنسان بفكرة مختلفة، خلف حدود جغرافية أو أيديولوجية أو دينية، أو وراء مطامع اقتصادية، فيستسهل القسوة ويظن أن القوة ترتّب الفوضى المتجذّرة في داخله.

داخل كل منا ذئبان: صاخب يعوي بالمعارك، وهادئ يقود القطيع. السؤال: أيّهما تُغذّي؟

الفن ليس ابن الحرب، لكنه ينحاز للإنسان حتى في أحلك لحظات الموت، تأمّل (غيرنيكا) للفنان العالمي بيكاسو، رسمها عام 1937 عن قصف بلدة الباسك في الحرب الأهلية الإسبانية؛ أشكال تصرخ ولا أحد ينتصر، وقبلها الثالث من مايو لغويا عام 1814 عن مقاومة الإسبان لنابليون؛ الضحية أكثر حضورًا من الجلّاد. وفي فلسطين، جمّال المحامل لسليمان منصور عام 1973 عن نكبة حرب الأيام الستة؛ رجل يحمل مدينة كاملة على ظهره المنحني، وفي السودان الرؤية من القبر لإبراهيم الصلحي عام 1965 عن حرب الاستنزاف؛ وجوه تذوب من بشاعة سرقة الخيرات وقوت الشعوب.

ولننتقل إلى اليابان في هيروشيما، إذ رسمت توشيكو هانيدا لوحة (المطر الأسود) عام 1945 عن القصف الذري؛ فتاة بثياب ممزّقة وسماء تمطر ظلامًا، صدمت العالم لأنها جعلت الإشعاع مرئيًا كأبشع مطر، وإلى الهند (مقابر الليل) لنيلوفر شريواستافا عام 1971 عن حرب استقلال بنغلاديش؛ نساء يبحثن عن جثث في ضوء القمر الخافت، هزّت الضمير الهندي لأنها صوّرت الحرب كفقدان ونسيان لا موتًا فحسب.

وفي روسيا نقف عند أليكسي أنتروبوف ولوحته (جندي عائد) عام 1946 عن الحرب العالمية الثانية؛ وجه متعب وابتسامة فهم منها العالم أن الانتصارات الكبرى يدفع ثمنها من يُسمَّون “خسائر”، وفي الجزائر، (الجزائر الحرة) لمحمد خدّة عام 1958 عن حرب التحرير؛ امرأة ترفع علمًا وسط الدخان، أيقونة حوّلت الألم إلى صمود، وأخيرًا في فيتنام، (البكاء) لنجوين ثانه تشاو عام 1972 عن حرب فيتنام؛ طفلة تجري عارية ووجهها مشتعل، أوقفت الحرب في قلوب من رآها.

لا تخف.. فالفن ليس ابن الحرب، كلود مونيه في (زنابق الماء) عام 1914 رسم ماءً يهمس وسلامًا خجولًا، وبيكاسو نفسه في الحمامة عام 1949 أطلق حمامة صغيرة تقول: “ما زال هناك أمل”.

لنحسب أنفسنا كائناتِ سلام ما استطعنا إليه سبيلًا، قد لا نملك إيقاف كل الحروب، لكننا نملك ألا نكون سببًا في اندلاع واحدة جديدة، أومن أن في هذا الوقت يكفي.