الرئيسية / أخبار / سحور أمريكي راقٍ..بقلم بابكر عثمان

سحور أمريكي راقٍ..بقلم بابكر عثمان

لبّيت أمس دعوةً لحفل سحور أقامته السفارة الأمريكية في مقر إقامة السفير الأمريكي بالدوحة. كانت أمسية لطيفة ونحن نتجاذب أطراف الحديث مع دبلوماسيين وأطباء وأساتذة جامعات. فوجئت بدبلوماسي من غامبيا وهو يحدثني عن مشاعره تجاه الصراع الدموي الجاري في السودان. قال بنبرة فيها الكثير من الاهتمام إنه تابع وصول أول طائرة سودانية هبطت في مطار الخرطوم، ولحظتها لم يستطع أن يمنع دموعه من التساقط بكثافة. عرفت لاحقًا أنه مسلم، وأنه يكن مشاعر عميقة تجاه بلد مسلم آخر اسمه (السودان)، طبعًا دون أن يعرف بدقة طبيعة الصراعات الدائرة في السودان منذ عقود.

وضمت تلك الجلسة على السحور أيضًا سفير أوغندا الجديد في الدوحة، السيد كيزالا محمد باسواري، وهو أيضًا مسلم، حيث اعتادت دول أفريقية عديدة إرسال سفراء من الأقليات المسلمة إلى دول الخليج اعتقادًا منهم أن ذلك قد يسهم في تعزيز العلاقات. وكانت دولة جنوب السودان قد أرسلت أول سفير لها إلى الدوحة، السيد محمد بشير، العام الماضي، ولم يقضِ في الدوحة سوى ستة شهور قبل أن يغادرها دون الكشف عن أسباب ذلك، وخلفته في السفارة السيدة ليلي أدهيو مارتن مانييل، والتي قدمت أوراق اعتمادها في أكتوبر الماضي، وكانت تعمل متحدثة رئاسية للسيد سلفاكير ميارديت (رئيس الدولة) منذ عام 2022، قبل تعيينها سفيرة في إثيوبيا في عام 2025، وفي نفس العام أُعفيت من منصبها في إثيوبيا لتسافر إلى الدوحة في منصب سفيرة.

كان يمكن للعلاقات العربية الأفريقية أن تنمو على نحو جيد لولا استمرار حرب بين شمال السودان وجنوبه لمدة تزيد عن 50 عامًا، حيث يتم تصوير تلك الحرب في وسائل إعلام أفريقية جنوب الصحراء على أنها بين العرب المستعمرين والجنوبيين الأفارقة، قبل أن يحولها الإسلاميون في التسعينيات إلى حرب جهادية بين المسلمين والكفار. وكانت دول أفريقية مجاورة مثل (أوغندا – كينيا – إثيوبيا) تتعاطف بشدة مع الجنوبيين، ويتم ترجمة ذلك التعاطف أحيانًا إلى مساعدات عسكرية ودبلوماسية وإعلامية.

لم تنتهِ حرب الجنوب حتى انفجر صراع دموي آخر شمل هذه المرة سكان دارفور (الأفارقة)، وهكذا وجدت الدول الأفريقية المجاورة وغير المجاورة نفسها في أتون هذا الصراع، والذي انتهى إلى قرارات أممية قضت بتشكيل قوات أفريقية انتشرت في دارفور لمنع ما أطلقوا عليها (الإبادة الجماعية للسكان الأفارقة).

وقبل أن تجف الدماء الأفريقية تمامًا، انفجر صراع آخر بين شمال السودان ودارفور، ولكن هذه المرة لم يكن بين المكونات الأفريقية الزنجية، إنما مع المكونات العربية أو ما أطلق عليها الإعلام الشمالي (عرب الشتات).

ولم تكن دول أفريقية مجاورة بعيدة تمامًا عن الصراع الحالي، فقد تم قبل أيام استقبال محمد حمدان دقلو في أوغندا في أول ظهور علني له أمام حشد من مؤيديه، فيما كشفت مراكز أبحاث أمريكية صورًا للأقمار الصناعية تظهر معسكرات تدريب لقوات حميدتي في إثيوبيا. أما كينيا فقد احتضنت أول إعلان لحكومة انفصالية في دارفور أطلق عليها اسم (تأسيس).

كان هذا المتن ضروريًا لتفسير دموع الدبلوماسي الغامبي وهو يشاهد هبوط طائرة سودانير في مطار الخرطوم. أما جلستنا المصغرة في مقر إقامة السفير الأمريكي في الدوحة فقد استمرت إلى ما قبل منتصف الليل، وضمت عددًا من الدبلوماسيين الأمريكيين واثنين من السودانيين، أحدهما طبيب توحد افتتح عيادة راقية في مدينة لوسيل، والآخر أستاذ جامعي وزوجته التي تعمل في مركز اجتماعي حكومي مرموق. أما فاكهة تلك الجلسة فقد كان البروفيسور محمد مطر، والذي أدخل إلى القاموس العربي القانوني ما يُطلق عليها (العيادة القانونية)، وتلك قصة أخرى.

استمتعنا بطعام السحور الأمريكي، والتقطنا صورًا تذكارية في نهاية ذلك السحور الراقي.