الرئيسية / أخبار / الموريسكيون: جذور أمازيغية وإفريقية في سياق عربي..بقلم منى الروبي
منى الروبي

الموريسكيون: جذور أمازيغية وإفريقية في سياق عربي..بقلم منى الروبي

في السرد التاريخي لشمال إفريقيا والأندلس يبرز المورسيين أو الموريسكيون كأصحاب جذور أقدم بكثير من لحظة دخول الإسلام، وهو جانب بالغ الأهمية غالبا ما يتم تجاهله، فهؤلاء لم يظهروا فجأة مع الفتح، بل ينحدرون من شعوب أمازيغية إفريقية عريقة، امتدت حضارتها عبر آلاف السنين قبل الميلاد، وأسهمت في تشكيل هوية المتوسط الغربي منذ العصور القديمة.

قبل الإسلام عرفت منطقة شمال إفريقيا حضارات أمازيغية قوية، مثل حضارة النوميديين والموريتانيين، التي أسست ممالك منظمة ذات نظم سياسية وعسكرية متقدمة، من أشهر ملوكها ماسينيسا الذي حكم في القرن الثاني قبل الميلاد، ويوغرطة الذي قاوم روما بشراسة، هذه الشعوب الإفريقية امتلكت تقاليد عمرانية، وأنظمة زراعية، وفنونا رمزية واضحة في النقوش والتماثيل، وكانت على تواصل دائم مع قرطاج والفينيقيين ثم الرومان، دون أن تفقد هويتها الأصلية.

مع انتقال الأمازيغ إلى الأندلس سنة 711م، لم يحملوا السلاح فقط، بل حملوا معهم ميراثا إفريقيا عميقا تشكّل عبر قرون، المورسيون الذين حكموا الأندلس كانوا في أغلبيتهم من أصول أمازيغية مغاربية، سمر البشرة، ذوي ملامح إفريقية واضحة، وهو ما تؤكده المصادر الأوروبية نفسها في وصف ملوكهم وقادتهم، عبد الرحمن الناصر، المولود سنة 891م والمتوفى سنة 961م، والذي أعلن الخلافة في قرطبة سنة 929م، كان يفتخر بانتمائه لأرض المغرب والأندلس معا، وكان يمثل نموذجا للحاكم المتوسطي الإفريقي الذي فرض هيبته على أوروبا.

اللافت أن الغرب احتفظ بصور وبورتريهات لهؤلاء الملوك، لكنه كثيرا ما عرضها دون سياقها العرقي الحقيقي، من أهم المعارض التي تحتوي على صور أو مخطوطات مصورة لملوك الأندلس والمورسيين معرض مكتبة الإسكوريال الملكية في إسبانيا، حيث توجد مخطوطات تاريخية تضم رسوما لعبد الرحمن الثالث، والحكم المستنصر بالله الذي حكم بين 961 و976م، كما يعرض متحف برادو في مدريد لوحات تاريخية تعود للقرنين السادس عشر والسابع عشر تمثل ملوك الأندلس في مشاهد سياسية وعسكرية، مع تغييب واضح لملامحهم الإفريقية.

في غرناطة، يحتفظ متحف قصر الحمراء بأعمال فنية ومخطوطات توثق ملوك بني نصر، وعلى رأسهم محمد بن يوسف بن نصر مؤسس الدولة النصرية سنة 1232م، ويوسف الأول الذي حكم بين 1333 و1354م. هذه الأعمال تعرض ضمن معارض دائمة، لكنها غالبا تقدم في إطار معماري أو زخرفي دون قراءة أنثروبولوجية لأصول أصحابها.

المورسيون لم يكونوا غرباء عن الأندلس، بل هم أهلها الأصليون الذين صنعوا هويتها المتعددة، هم إفريقيون أمازيغ تشكّلوا في فضاء متوسطي مفتوح، وقدموا لإسبانيا أسس العمران، والزراعة، والعلوم، والفنون، ونظم التعايش الاجتماعي، وبعد سقوط غرناطة سنة 1492م، بدأت عملية محو ممنهجة لهذا الحضور، شملت الطرد، وتغيير الأسماء، وإعادة كتابة التاريخ.

إن إعادة الاعتبار لأصول المورسيين الإفريقية، وتسليط الضوء على صورهم المعروضة في المتاحف الأوروبية، ليست مجرد تصحيح تاريخي، بل استعادة لهوية ضاعت عمدا، وتأكيد أن أوروبا الحديثة قامت جزئيا على إرث إفريقي أندلسي عميق الجذور.