خالد أبوأحمد
في الطرف الجنوبي الشرقي لجزيرة المحرق تقع مدينة الحِد، تلك الرقعة الممتدة على لسان رملي في حضن خليج البحرين، حيث ارتبطت حياة أهلها منذ قرون بالبحر، بالصيد والغوص واستخراج اللؤلؤ قبل اكتشاف النفط. وقد شكّلت هذه العلاقة الطويلة مع البحر نمط حياة كامل، لم يكن قائمًا على الرزق فقط، بل على منظومة قيم اجتماعية راسخة، مثل التعاون، والصبر، وتحمل المسؤولية، والاعتماد على العمل اليومي باعتباره أساس الكرامة. ومنذ أواخر القرن الثامن عشر، عُرفت الحِد كمجتمع متماسك، تتداخل فيه العائلات، وتتشابك العلاقات، وتتكوّن فيه الهوية الجمعية من خلال الفريج والمجلس والبحر، ولا تزال هذه القيم حاضرة في سلوك أهلها ونظرتهم للحياة حتى اليوم.
في هذه المدينة وُلد علي بن محمد بن جبر المسلم عام 1945، في أسرة ذات جذور عميقة في تاريخ الحِد البحري والتجاري. وجاءت نشأته امتدادًا طبيعيًا لبيئة اجتماعية تقوم على العمل والالتزام والسمعة الطيبة، في مجتمع يعرف فيه الناس بعضهم بعضًا، وتُقاس فيه المكانة بما يقدّمه الفرد لا بما يعلنه عن نفسه. وقد تجاوزت الحِد كونها مكانًا للولادة والسكن، لتكون إطارًا تربويًا كاملًا أسهم في تشكيل شخصيته، ورسّخ فيه احترام العمل، والشعور المبكر بالمسؤولية، والإحساس بأن الفرد جزء من جماعة أكبر لا ينفصل عنها.
نشأ علي المسلم في بيئة ساحلية بسيطة، وتكوّن وعيه منذ الطفولة من خلال التجربة اليومية لا عبر الشعارات. لم يبدأ مساره من بوابة الوجاهة أو الألقاب، بل من تفاصيل الحياة الصغيرة التي علّمته معنى السعي والتعب والاعتماد على النفس. ويروي في أحد مفاصل ذاكرته كيف كان يفتح المحار بحثًا عن “السحتيت”، ثم يبيعه لجده، ويستخدم ما يحصل عليه لشراء دراجة يتوجه بها إلى المدرسة. هذه الواقعة، على بساطتها، تكشف عن وعي مبكر بقيمة العمل، وربط الجهد بهدف واضح، والإحساس بالفرح حين تتحقق ثمرة التعب، وهي معانٍ ستلازمه لاحقًا في مسيرته المهنية والإنسانية.
ينتمي علي المسلم إلى سلالة عائلية ارتبط اسمها بتجارة اللؤلؤ، ويتصدرها الجد جبر بن محمد المسلم، الذي أصبح من أبرز تجار اللؤلؤ في البحرين والخليج. ولم يكن هذا الإرث العائلي سردًا تاريخيًا فحسب، بل شكّل قاعدة أخلاقية واضحة في حياته، تفسّر نظرته إلى المال كوسيلة للبناء وخدمة المجتمع، لا غاية قائمة بذاتها، وتفسّر كذلك علاقته بالمكان باعتباره مسؤولية عامة يجب الحفاظ عليها وتنميتها، لا عنوانًا جغرافيًا يُستثمر رمزيًا فقط.
البحر مدرسة… والدراسة امتداد طبيعي
تقدّم مسار علي المسلم على خط واضح المعالم: شغف مبكر بالبحر، ثم دراسة متخصصة، ثم خبرة ميدانية، ثم تأسيس اقتصادي. وبعد إكمال تعليمه في البحرين، سافر إلى بريطانيا حيث درس في جامعة ساوثهامبتون بين عامي 1967 و1970، وحصل على شهادة عليا في تيسير وقيادة السفن التجارية في أعالي البحار، وهو تخصص يتطلب دقة عالية ومسؤولية كبيرة، ويعكس رغبة حقيقية في الاحتراف لا الاكتفاء بالخبرة التقليدية.
وفي حوار صحفي أجراه معه الزميل الأستاذ أحمد زمان، أشار علي المسلم إلى أنه رفض عرضًا للعمل ضابطًا في وزارة الداخلية، لأن البحر كان خياره المهني الواضح، ولأنه أراد تطوير المهنة التي عرفتها عائلته منذ أجيال. وخلال سنوات الدراسة والتدريب، زار موانئ عديدة في بريطانيا وأوروبا وآسيا، واكتسب خبرة عملية واسعة في الملاحة وقيادة السفن والتعامل مع ظروف بحرية مختلفة، وهو ما أسهم في صقل شخصيته المهنية ومنحه رؤية أوسع لطبيعة العمل البحري الحديث.
بعد عودته إلى البحرين، عمل مرشدًا بحريًا في ميناء سلمان، وهي وظيفة ترتبط مباشرة بسلامة حركة السفن ودخولها وخروجها، وتتطلب تركيزًا عاليًا ودقة في اتخاذ القرار. وقد شكّلت هذه المرحلة محطة مهمة في مسيرته، لأنها جمعت بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي، ومهّدت للانتقال إلى مرحلة جديدة أكثر استقلالًا وتأثيرًا.
في عام 1974، اجتمع علي المسلم مع زميليه بدر كيكسو وحسن الصباح، واتخذوا قرار تأسيس شركة وطنية متخصصة في المقاولات البحرية، تقدم خدمات صنادل الجر وسفن الدعم لمشاريع النفط والغاز في الخليج، في وقت كانت فيه الشركات الأجنبية تهيمن على هذا القطاع. ويظهر هنا بوضوح وعي المؤسس الذي لم يتعامل مع البحر كتراث اجتماعي فقط، بل لأنه قطاعا اقتصاديا يحتاج إلى مبادرة محلية منظمة، وخبرة فنية متخصصة، وشجاعة في دخول سوق تنافسي صعب.
وفي روايته التفصيلية عن توسع الأعمال، يذكر أن الشركة اتسعت حتى امتلكت أسطولًا يضم نحو 25 سفينة، وأن شركة فرنسية أنشأت لهم رصيفًا بحريًا في المنطقة الصناعية بسترة بقيمة مليون دينار، مع التوجه إلى صناعة القوارب الصغيرة. كما تحدّث عن مشروع تدوير المراكب الحديدية القديمة بدل تركها كمخلّفات تضر البيئة، وعن نشاط شهري لجلب كميات كبيرة من المواد الحجرية من رأس الخيمة، إضافة إلى أعمال استخراج الرمال من البحر، مع الإشارة إلى أثر المنافسة في تقليص حجم هذه الأنشطة لاحقًا. وتعكس هذه التفاصيل عقلية اقتصادية تعرف كيف تقرأ السوق، وتوازن بين التوسع والمخاطر، وتلتقط الفرص في قطاعات متصلة بالبنية التحتية واللوجستيات والبحر، كما توضّح أن الحِد، بذاكرتها البحرية، كانت منصة نفسية ومهارية لإطلاق مشروع اقتصادي وطني واسع.
ولادة دار يوكو… قرار إنساني
التحول الإنساني الأبرز في سيرة علي المسلم جاء من مشهد واقعي في مدينة الحِد نفسها، حين رأى كبار سن يجلسون على كورنيش الحِد تحت شمس الصباح، من دون رعاية أو مكان يوفّر لهم الحد الأدنى من الراحة والكرامة. هذا المشهد ترك أثرًا عميقًا في نفسه، وتحول إلى قرار عملي تمثّل في تأسيس دار يوكو لرعاية الوالدين عام 1995، كأول دار نهارية لرعاية كبار السن في الخليج.
قامت فكرة الدار على رعاية تحافظ على كرامة المسن، وتُبقيه قريبًا من أسرته ومجتمعه، من خلال بيئة اجتماعية وصحية مناسبة، لا تعزله عن محيطه، بل تعيد له حضوره ودوره. ومع نجاح التجربة، تبلورت حول الدار منظومة مبادرات أخرى، من بينها إنشاء مركز الحد لتأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة وجمعية الحد الخيرية، في مسار يؤكد أن المبادرة لديه تتسع بحسب الحاجة ولا تتوقف عند مشروع واحد. ثم جاء الاعتراف المؤسسي والإقليمي، حيث استقطبت التجربة زيارات وفود خليجية وعربية، وتكريمات رسمية، قبل أن تحصل الدار على ترخيص رسمي من وزارة التنمية الاجتماعية بقرار رقم 19 لسنة 2024، ما عزز مسارها المؤسسي ورسّخ حضورها في منظومة العمل الاجتماعي.
في تحليل هذه السيرة، يظهر أثر الحِد بوضوح: مدينة متماسكة اجتماعيًا، تتجاور فيها البيوت والمساجد والمجالس، وتتحول السمعة الشخصية إلى عقد أخلاقي غير مكتوب. هذا المناخ الاجتماعي يفسّر قدرة علي المسلم على تحويل الشعور الإنساني إلى مشروع مؤسسي، ورؤية الحاجة الاجتماعية إلى حلول عملية، وترسيخ قناعة مفادها أن الاقتصاد حين يتحالف مع المجتمع يعزز الاثنين معًا ولا يضعهما في مواجهة.
الأسرة… الامتداد الطبيعي لقيم العمل والعطاء
تحتل الأسرة موقعًا محوريًا في هذه السيرة، من خلال الجذور العائلية، وقصة الجد، والارتباط بالبيت والمكان، وحضور فكرة “الميراث البحري” باعتباره وعيا متوارثا. وفي هذا السياق تُقرأ الأسرة كمساحة تربية على احترام العمل، واحترام الناس، والإيمان بأن المكانة الحقيقية تأتي من الخدمة العامة قبل كثرة الممتلكات. ومن هذا المنطلق شق علي المسلم طريقه بثبات وعزيمة حتى أصبح من كبار رجال الأعمال، وامتلك عدة شركات، مع استمرار حضوره الواضح في العمل الخيري والاجتماعي.
ومن خلال قراءة أبعاده الاجتماعية والتجارية والأسرية، يقدم علي المسلم نموذجا اقتصاديا نابعا من المجتمع نفسه: اقتصاد يبدأ من البحر، ويتوسع إلى مشاريع صناعية وخدمية، ثم يعود إلى المجتمع عبر مؤسسات رعاية الوالدين، ودعم التأهيل، والعمل الخيري. ويظل المعنى الأوضح في هذه السيرة أن نجاح رجل الأعمال لا يكتمل إلا بقدرته على حماية القيم الإنسانية داخل نموه الاقتصادي، وربط الإنجاز المادي بالمسؤولية الاجتماعية.
هذه سيرة رجل حمل خبرة البحر، وتحمل أمانة المجتمع، وحوّل الشعور إلى عمل، والعمل إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى أثر باقٍ في ذاكرة الحِد والبحرين.

مع صاحب السمو ولي العهد رئيس الوزراء في إحدى زياراته لمجلس المسلم بالحد

علي بن جبر المسلم عندما كان طفلا