تقول الأسطورة إن (كليتيا)، حورية الماء الجميلة، القوية، ذات الحضور الذي يصعب تجاهله، وقعت في حب أبولو، إله الشمس عند الإغريق؛ ذلك الرجل الذي كان يعبر السماء بعربته الذهبية وكأنه وُلد وفي يده بطاقة تقول: “أنا مهم جدًا، شكرًا لسؤالكم”.
كانت تراقبه كل يوم لا ترى وجهه فقط، بل حضوره وتفاصيله، هو استمتع باهتمامها سرا.
أعطته شعورًا لذيذًا بأنّه موجود، لكنّ (كليتيا) لم تمنحه حبَّها فقط؛ منحته المعنى. فما قيمة الضوء إن لم ترَه عين؟ وما قيمة الجمال إن لم يقف أمامه قلب؟.
يقول أرسطو إن الإنسان لا يكتشف ذاته بعيدًا عن الآخرين، بينما يذكّرنا نيتشه بأن الإنسان يحتاج إلى معنى يمنحه سببًا للاستمرار، وكانت (كليتيا) تمنح أبولو هذا المعنى: أنت لست ضوءًا فقط، أنت شيء يستحق أن يُرى.
وبعد تسعةِ أيامٍ من الانتظار، عسى أن يراها، يحبها، يشكرها… تحوّلت كليتيا إلى زهرةٍ تتّجه نحو الشمس.
وهنا أحب أن أقرأ الأسطورة بطريقة مختلفة.. ربما لم تكن (كليتيا) مجرد عاشقة هُزمت أمام حبها، بل امرأة جعلت من عاطفتها رمزًا، فمنذ ذلك اليوم أصبحت للشمس زهرة.
ثم بعد قرون، جاء فان غوخ إلى آرل في جنوب فرنسا، مفتونًا بالضوء واللون، حالمًا ببيتٍ يجمع الفنانين، كان ينتظر صديقه بول غوغان، فأراد أن يزيّن البيت الأصفر بالزهور.
اختار دوّار الشمس.
وهنا تلتقي الأسطورة بالفن في مصادفة تكاد تبدو مقصودة.
(كليتيا) أحبت الشمس حتى أصبحت زهرة، وفان غوخ أحب الزهرة حتى جعلها شمسًا.
لم يرسم فان غوخ باقة مثالية مصففة بعناية؛ رسم أزهارًا في أعمار مختلفة المتفتحة الممتلئة بالحياة، والتي بدأت تنحني نحو ذبولها وكأن اللوحة تقول إن الجمال ليس لحظة واحدة بل دورة كاملة من التفتح والأفول.
وكان الأصفر عنده أكثر من لون؛ كان لغة للضوء والحياة والأمل، أما الزهور فكانت أيضًا هدية لصديقه، رمزًا للصداقة والحياة التي أراد أن يصنعها في البيت الأصفر. لكن غوغان رحل، وبقيت الزهور.
وهنا تكمن قوة الفن أن يأخذ شيئًا عابرًا ويمنحه حياة أطول من أصحابه.
(كليتيا) لم تصنع الشمس، وفان غوخ لم يصنع دوّار الشمس، لكن (كليتيا) كشفت للشمس معنى، وفان غوخ كشف للزهرة مجدًا.
وهذا ما يفعله الحب حين يكون كريمًا لا يصنع قيمة من نحب، لكنه يراها، ويمنحها الاعتراف، لذلك ربما ليست العبرة بمن ندور حوله، بل بمن يملك القدرة على العطاء.
فالعاشق الذي يمنح من قلبه، ويرى الجمال قبل أن يطالبه بإثبات نفسه، هو الأجدر.
لأن بعض الناس نحبهم لأن فيهم نورًا، وبعضهم يصبحون أكثر نورًا لأن أحدًا أحبهم.
وهكذا، لم تكن (كليتيا) مجرد زهرة تبحث عن الشمس؛ كانت أول من قالت سأقول أُحبّك كي تزيد وسامة.
