تقرير البحرين/المنامة/ تضع دراسة أكاديمية حديثة معيارًا جديدًا لقياس نجاح التنمية المستدامة في البحرين، إذ تتجاوز المؤشرات التقليدية القائمة على معدلات النمو وحدها، لتربط هذا النجاح بقدرة الدولة على تحقيق توازن مستدام بين متطلبات الحاضر ورهانات المستقبل.
هذه الدراسة، التي أعدّتها الباحثة فاطمة عبدالله سعد الحويحي لنيل درجة الماجستير في العلوم السياسية من جامعة العلوم التطبيقية، حصلت بموجبها على تقدير امتياز، وحملت عنوان (أثر فاعلية السياسات الحكومية في تحقيق التنمية المستدامة في مملكة البحرين للفترة من العام 2000-2025) ، وأُعدّت بإشراف الدكتور أسامة علي زين العابدين.
وتقوم الفرضية المركزية للدراسة على أن مفهوم التنمية، في صورته الحديثة، تجاوز الارتباط الحصري بارتفاع معدلات النمو الاقتصادي أو التوسع في الإنفاق والمشروعات، لينتقل إلى منظور أكثر عمقًا يرى في قدرة الدولة على بناء بيئة مستقرة الضامن الحقيقي لاستمرارية التنمية وتحقيق التوازن بين متطلبات الحاضر واحتياجات المستقبل. وهذا التحول المفاهيمي يعكس، من الناحية التحليلية، انتقالًا من قياس التنمية بمخرجاتها الكمية إلى قياسها بقدرتها على الصمود والتكيف.
وتناولت الدراسة رؤية البحرين الاقتصادية 2030 وأهداف التنمية المستدامة وواقع السياسات الحكومية، إلى جانب تحليلها للمحاور الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والمؤسسية، فضلًا عن محوري التنمية البشرية والابتكار ضمن إطار التنمية المستدامة، في مقاربة تجمع بين البعد النظري والتطبيقي.
وترى الباحثة أن تحقيق التنمية المستدامة مشروط بمنظومة حكومية متناسقة تجمع بين كفاءة الإدارة وفعالية التخطيط والقدرة على الاستجابة للمتغيرات، إلى جانب تعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، وهو ما يفسر تركيزها على أن نجاح الخطط التنموية مرهون بتكامل السياسات العامة مع متطلبات الاستدامة والحوكمة والابتكار، لا بانفصال هذه العناصر عن بعضها. وتخلص الدراسة، في هذا السياق، إلى أن غياب التكامل بين هذه المتطلبات يُضعف من قدرة أي خطة تنموية على الاستمرار.
وتكشف الدراسة أن فاعلية السياسات الحكومية تُعد من أبرز المتغيرات المفسرة لتحقيق التنمية المستدامة، إذ ترتبط بنجاح برامج الإصلاح المالي وتعزيز ثقة المستثمرين والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، إضافة إلى قدرة الحكومة على تطوير الخدمات العامة والبنية التحتية والاستجابة للأزمات. وتخلص الباحثة إلى أن هذه السياسات تشكل، من الناحية التحليلية، خط الدفاع الأول في مواجهة المتغيرات والتحديات الإقليمية، بما يجعلها متغيرًا محوريًا لا هامشيًا في معادلة التنمية.
كما توضح الدراسة أن التحول البنيوي في فلسفة السياسة العامة أصبح من المرتكزات الأساسية لرؤية البحرين الاقتصادية 2030، بعد انتقال الدولة من نموذج يعتمد على إدارة الموارد النفطية إلى نموذج قائم على التنافسية والاستدامة والشراكة مع القطاع الخاص. ويُقرأ هذا الانتقال، تحليليًا، بوصفه إعادة تعريف لدور الدولة ذاته، إذ تحول دور الحكومة من مشغّل إلى منظم ومراقب، بما ينسجم مع مستهدفات الرؤية الاقتصادية وينعكس في تطوير التشريعات والأنظمة.
وفي إطار توصياتها، تدعو الدراسة إلى بناء نموذج بحريني للتنمية المستدامة يستوعب خصوصية المجتمع البحريني، ويقوم على المرونة الاقتصادية والانفتاح الإقليمي والدولي والاقتصاد المعرفي والحوكمة الذكية والتنمية البشرية المستدامة. كما تشدد على أهمية تعزيز الشمول الرقمي عبر تبسيط التطبيقات الحكومية، ودعم كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة، وتوفير برامج محو الأمية الرقمية، وتطوير رأس المال البشري من خلال الاستثمار في التعليم والتدريب.
كما توصي الدراسة بتطوير المهارات الرقمية ودعم الابتكار والبحث العلمي، وتأهيل الشباب بما يتناسب مع احتياجات سوق العمل، وتوسيع الشراكات المحلية والدولية وتعزيزها، ونشر ثقافة الاستدامة في المجتمع عبر تعزيز الوعي البيئي وإدماج مفاهيم الاستدامة في التعليم. وتشير هذه التوصيات، مجتمعة، إلى أن الدراسة لا تكتفي بالتشخيص، بل تقدم تصورًا تطبيقيًا قابلًا للترجمة إلى سياسات فعلية.
لماذا تكتسب هذه الدراسات أهميتها الاقتصادية؟
إذا كانت الدراسة قد انطلقت من فرضية مفادها أن التنمية لم تعد تُقاس بمعدلات النمو الاقتصادي وحدها، بل بقدرة الدولة على بناء بيئة مستقرة توازن بين متطلبات الحاضر واحتياجات المستقبل، فإن هذه الفرضية ذاتها تكشف عن القيمة الاقتصادية الحقيقية لمثل هذه الدراسات: فهي لا تكتفي برصد المؤشرات الظاهرة، بل تتحول إلى أداة تقييمية تكشف مدى نجاح السياسات الحكومية في ترجمة أهدافها التنموية إلى نتائج ملموسة على الأرض. ومن هذه الزاوية، توفر هذه الدراسات مؤشرات تحليلية تساعد صانع القرار على تقييم أثر برامج الإصلاح المالي والاستثماري، والوقوف على مدى انعكاسها الفعلي على مستويات الثقة الاستثمارية والاستقرار الاقتصادي، بدلًا من الاكتفاء بالمؤشرات الكمية التقليدية كمعدلات النمو أو حجم الإنفاق.
كما تسهم هذه الأبحاث في ربط السياسات الاقتصادية الكلية برؤية البحرين الاقتصادية 2030، من خلال تتبع مسار التحول من اقتصاد يعتمد على الموارد النفطية إلى اقتصاد قائم على التنويع والتنافسية والشراكة مع القطاع الخاص، وهو تحول يحمل في جوهره أبعادًا اقتصادية حساسة تتعلق بإعادة توزيع الأدوار بين الدولة والسوق، وبمدى قدرة البيئة التشريعية والمؤسسية على استيعاب هذا التحول دون الإخلال بالاستقرار المالي.
ومن زاوية اقتصادية أخرى، تبرز أهمية هذه الدراسات في كونها ترصد العلاقة بين الحوكمة الرشيدة والاستدامة المالية، إذ إن ضعف فاعلية السياسات الحكومية، بحسب ما تخلص إليه الدراسة، لا ينعكس فقط على مؤشرات التنمية الاجتماعية والبيئية، بل يمتد أثره إلى الثقة الاستثمارية وتكلفة الاقتراض ومعدلات تدفق رؤوس الأموال، وهي متغيرات تتحكم بشكل مباشر في قدرة الاقتصاد البحريني على الصمود أمام التقلبات الإقليمية والدولية.
كما أن التوصيات المتعلقة بالاقتصاد المعرفي والشمول الرقمي وتطوير رأس المال البشري تحمل بعدًا اقتصاديًا مباشرًا، باعتبارها مدخلات أساسية لرفع الإنتاجية وتنويع مصادر الدخل، بما يقلل من اعتماد الاقتصاد الوطني على الإيرادات النفطية، ويعزز من تنافسية البحرين الإقليمية كمركز مالي واقتصادي جاذب للاستثمار.
وعليه فإن دراسات كهذه لا تقتصر قيمتها على الإضافة العلمية، بل تتحول إلى مرجعية تحليلية يمكن أن يستند إليها راسمو السياسات الاقتصادية في تقييم مسار الإصلاح، وضبط أدوات التخطيط المستقبلي بما يضمن استدامة النمو وتوازنه.