حين خرج النبي محمد صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجراً، التفت إليها قائلاً: “والله إنكِ لأحب أرض الله إليَّ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت”، في هذا الموقف الإنساني العميق يتجلى معنى الوطن؛ فالوطن ليس مجرد أرض نسكنها، بل ذاكرة تسكننا، وهوية تتشكل في القلب قبل أن تُرسم على الخريطة.
وقد حاول الفلاسفة عبر العصور تعريف الوطن، يرى الفيلسوف العربي ابن خلدون أن ارتباط الإنسان بالمكان ينبع من الروابط الاجتماعية والحسية التي تشكّل هوية المجتمع. أما الفيلسوف اليوناني أرسطو فقد اعتبر الوطن هو المجتمع الذي يحقق للإنسان حياته الفاضلة ويمنحه الإحساس بالمشاركة في بناء الدولة و العمل يعزز الانتماء. بينما يرى المفكر الفرنسي جان جاك روسو أن الوطن هو العقد المعنوي الذي يجمع الناس حول قيم مشتركة من العدالة والحرية.
ومن هنا يتولد شعور الانتماء، فالانتماء يُبنى من الذكريات: من طرقات الطفولة، من المدارس الأولى، من رائحة البحر وهدير الموج. وفي البحرين، تتشكل هذه الذاكرة في مدنها العريقة و قراها العتيقة حيث التاريخ والناس والبيوت القديمة التي تحفظ الحكايات، وقد عبّر شعراء البحرين عن هذا الحب بصدق. يقول الشاعر قاسم حداد في وصف البحرين بمعنى قريب من قوله:
البحرين جزيرة يكتبها البحر قصيدة من الضوء والملح
أما الشاعر علي الشرقاوي فقد وصف المحرق مدينةً تشبه القلب؛ صغيرة في مساحتها لكنها واسعة في محبتها ودفء أهلها، وفي حب هذه الديرة كتب الشاعر البحريني عبدالله خليفة أبياتاً يستحضر فيها جمالها وتاريخها، ومن معانيها، ما أجمل أن نقرا أن الرفاع مدينة تعانق السماء بقلعتها وتفتح قلبها للناس بالمحبة والكرم.
أما الكاتب البحريني الكبير يوسف الحمدان فهو في صدد اصدار سيرة روائية بعنوان (الرفاع مشعل الذاكرة و المخيلة)، ولم يغب قلم المخضرم حمد بن محمد الرمزان النعيمي لينسج للوطن خيوطا من المحبة، والشاعره منيرة فارس الخليفة لمست قلوبنا.
في المدرسة كنت أراقب طلابي وهم يتعلمون و يرتقون فاقول نحن زرعوا فاكلنا..نزرع فيأكلون، وإذا كان الانتماء شعوراً، فإن الولاء موقف وسلوك، يقول الثائر تشي جيفارا “إن الإنسان الحقيقي هو الذي يشعر بآلام شعبه أينما كان”.
أما مهاتما غاندي يقول “إن خدمة الوطن تبدأ بخدمة الإنسان البسيط”، والشاعر محمود درويش فقد لخّص معنى الوطن بقوله العميق:
وطني ليس حقيبة، وأنا لست مسافراً
وفي حب البحرين قال الشاعر عيسى بن راشد آل خليفة أبياتاً يفيض منها الاعتزاز بمعانيها، حيث يصف البحرين بأنها وطن يسكن القلب وأن حبها عهد لا يتغير.
إن المجتمع البحريني مثال للمحبة والتكاتف؛ ففي الأزمات يظهر معدن الناس الحقيقي، فنرى المبادرات الإنسانية والعمل التطوعي لخدمة المجتمع بروح الأسرة الواحدة. فالتطوع ليس مجرد عمل، بل رسالة إنسانية تعكس أخلاق أبناء الوطن.
ولهذا يستحق أبناء البحرين الشكر والتقدير؛ فهم يبنون مجتمعهم بالمحبة والتعاون ويجعلون الوطن بيتاً واسعاً للجميع، وقد مدح القرآن الرجال الصادقين الذين يدركون أن وطنك عهد و وعد، قال الله تعالى:
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾.
وفي الختام، نسأل الله أن يحفظ البحرين، وأن يديم عليها الأمن والسلام، وأن تبقى مناراتٍ للسلام للثقافة والمحبة والتعايش، وأن يبارك لنا فيها و يبارك سواعدنا نحميها.