تقرير البحرين/المنامة/ صدر حديثًا كتاب (قاموس لغة حرب السودان) للصحفي والكاتب السوداني الأستاذ معاوية حسن ياسين، في عمل توثيقي وتحليلي يتناول التحولات العميقة التي أصابت اللغة والخطاب العام في السودان منذ اندلاع الحرب، وما أفرزته من مفردات وعبارات جديدة تشكّلت تحت ضغط العنف والاقتتال، وتسربت إلى اللسان الشعبي، والمنصات الإعلامية، والخطاب السياسي والاجتماعي.
ويأتي الكتاب الصادر عن دار مدارات للطباعة والنشر والتوزيع، باعتباره محاولة جادة لرصد اللغة كأحد أهم تجليات الصراع، حيث يتتبع المؤلف المفردات الأكثر تداولًا خلال سنوات الحرب، ويحلل سياقات استخدامها، وما تحمله من دلالات سياسية واجتماعية وثقافية، مبينًا كيف تحولت اللغة من أداة توصيف إلى أداة تعبئة واستقطاب، بل إلى سلاح رمزي يوازي السلاح المادي في تأثيره.
وفي تقديمه للكتاب أكد السفير جمال محمد إبراهيم ” إن ما تناوله الكاتب معاوية حسن يس من جهد تحليلي لظاهرة لغوية في حرب السودان، هو نتاج لتحولات لغوية شملت مفردات وعبارات أحدثت تحولات في لغتنا المحكية إثر تلامس لهجات متباينة ولسنة مختلفة خلال سنوات الحرب”، مضيفا بقوله ” لقد أمكن معاوية النظر مليًا حوله، ورصد طبيعة تلك التغيرات التي لحقت باللغة واللهجة والألسن وأحصى ما أحصى، وحلل ما حلل.
وتابع ” إن معاوية كان يدرك ان التباين في اللغات واللهجات والألسن عموما، هو وجه رئيس من وجوه ظاهرة تنوع مجتمعات البلد الواحد، ما غاب عن معاوية ملاحظة كيف صار شغل السودانيين الشاغل-خاصة صفوة المثقفين والمتعلمين بالجدال حوله، وذلك لاتصاله كما هو واضح بسؤال الهوية الملتبس، ومعضلة الانتماء لحائر بين عروبة وافريقانية.
وفي ذات السياق يبين السفير جمال محمد ابراهيم أن الاستاذ معاية يس مؤلف الكتاب ” بيّن ورصد وحقّق في متنون كتابه، وفي هوامشه تلك التحولات التي شهدناها في اللسان المحكي في شعارات التظاهرات، وفي أقلام الكتاب، وتمازجت فيها بعض كلمات وأسماء وصفات وتعبيرات”.
ويلفت مقدم الكتاب إلى أن عشق الكتابة الابداعية والصحافة أخذ الأستاذ معاوية حسن يس بعيدا عن تخصصه في القانون، غير ان خبراته الإعلامية في (بي بي سي) وبعض الصحف اللندنية والعربية والسودانية منحت كتاباته الفاحصة والتوثيقية المحكمة عكس ما حذق قلمه من صرامة
ويكتسب صدور كتاب (قاموس لغة حرب السودان) أهمية خاصة كونه يصدر في وقتٍ لا تزال فيه الحرب مستمرة، ما يمنحه بعدًا توثيقيًا حيًا، ويجعله شهادة معاصرة على لغة تُنتَج وتُتداول في قلب الحدث، لا بوصفها ماضيًا منتهيًا، بل واقعًا مفتوحًا على احتمالاته القاسية.
ويُعد الأستاذ معاوية حسن ياسين صحفيًا وكاتبًا ومؤلفًا، اشتغل طويلًا على توثيق التحولات في الخطاب واللغة والإنتاج الثقافي، ويُنظر إليه بوصفه أحد الأسماء التي جمعت بين الممارسة الصحفية والتأريخ الفني والمعرفي.
ومما يجر ذكره أن الزميل الإعلامي الكاتب والمؤرخ الفني معاية حسن يس كان قد أصدر من قبل موسوعة تاريخية مهمة للذاكرة السودانية حملت عنوان (من تاريخ الغناء والموسيقى في السودان من أقدم العصور حتى 1940)، من ثلاث مجلدات، الذي وصفه الكُتاب والنُقاد على أنه عملاً تأسيسياً ورائداً في مجال التوثيق الأكاديمي للتراث الموسيقي السوداني.