الرئيسية / أخبار / على الموضة..بقلم د. منى الروبي
د. منى الروبي
د. منى الروبي

على الموضة..بقلم د. منى الروبي

تُقرأ الأزياء، حين تُفهم بعمقها الحقيقي، بوصفها فناً بصرياً حياً، لا يقل قيمة عن الرسم أو النحت أو العمارة، فالموضة ليست نزوة موسمية، بل مدارس جمالية تتشكّل عبر التاريخ، حضارات و انتاج وتعبّر عن الإنسان في لحظات ضعفه وقوته، عن روحه قبل مظهره، منذ بدايات الحضارات، ارتبط اللباس بالفن كما في الصين القديمة حيث كان الحرير لغة سلطة وجمال منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام، وفي الهند حيث شكّلت الأقمشة المصبوغة يدوياً والزخارف الرمزية امتداداً لفلسفة روحية عميقة، وفي فرنسا التي صاغت منذ القرن السابع عشر مفهوم الذوق الراقي، وصولاً إلى باريس التي أصبحت عاصمة الأزياء العالمية.

في هذا السياق الفني وُلدت كُبرى دُور الموضة من رحم المعاناة، ففي باريس ما بعد الحرب العالمية الثانية، أسس كريستيان ديور داره عام 1946، مقدّماً عام 1947 رؤية أعادت للمرأة أنوثتها، وكأن الجمال كان فعلاً علاجياً لعالم جريح، ومن هذا الخيط الناعم، انتقلت الحكاية إلى إيطاليا، حيث أسس غوتشيو غوتشي داره عام 1921، مستلهماً خبرته البسيطة ليصنع فخامة متجذّرة في الحرفية، ورغم الصراعات العائلية والانكسارات، بقيت غوتشي شاهدة على قدرة الهوية الفنية على النجاة.

ومع انتقال مركز الثقل إلى نيويورك، ظهر مايكل كورس عام 1981 ليقدّم مدرسة أمريكية ترى في الأناقة توازناً بين الجمال والعملية، لم تكن رحلته مستقيمة، لكنه عبّر عن امرأة معاصرة تتحرّك بثقة داخل عالم سريع الإيقاع، ثم تعود السردية إلى إيطاليا مع جياني فيرزاتشي، الذي أسس داره عام 1978، معلناً أن الموضة قد تكون صادمة، مسرحية، جريئة حتى أقصى حدودها. اغتياله عام 1997 حوّل اسمه إلى أسطورة، وأكّد هشاشة الفن أمام القدر.

وقبل هؤلاء جميعاً كان لوي فيتون قد وضع عام 1854 حجر الأساس لمدرسة ترى في السفر تجربة إنسانية، فجعل من الحقيبة عملاً فنياً يرافق تحوّلات العالم، وفي الامتداد المعاصر يبرز زهير مراد القادم من الشرق، حاملاً إرث الحرفية العربية، ومؤكداً منذ التسعينيات أن الإبداع لا تحدّه الجغرافيا، وأن الفقر في الموارد قد يولّد غنى في الرؤية.

أما بالنسياجا، التي أسسها كريستوبال بالنسياجا عام 1919، فقد مثّلت المدرسة المعمارية في الأزياء، لكنها أعادت طرح سؤال أخلاقي حاد في السنوات الأخيرة بسبب الجدل الذي رافق بعض حملاتها، مظهرة التوتر الدائم بين الحرية الفنية والمسؤولية الإنسانية.

هكذا تتكثف الحكاية: الأزياء فن، والموضة مدارس، وكل دار كُبرى هي فصل من تاريخ إنساني طويل، يثبت أن الجمال ليس ترفاً، بل حاجة عميقة تشبه الفن في جوهره، وتخاطب الإنسان أينما كان.