حين نتحدث عن الحضانة في المحاكم، نتحدث عن «إجراء قانوني» و«تنظيم للعلاقة الأسرية». لكن بالنسبة إلى الطفل، الأمر أكبر من حكم يصدر ثم يُحفظ في ملف. إنه واقع يعيشه كل يوم: أين سينام الليلة؟ من سيكون بجانبه حين يستيقظ؟ من سيسأله عن يومه في المدرسة؟
هذه التفاصيل الصغيرة تتحول مع الوقت إلى ذاكرة يحملها الطفل. وما نقرره نحن الكبار اليوم سيحمله هو غدًا في علاقته بوالديه وبنفسه.
القانون البحريني واضح في هذا الشأن؛ فالمادة (123) من قانون الأسرة رقم (19) لسنة 2017 تنص على أن الحضانة هي حفظ الطفل وتربيته ورعايته اليومية، بينما تبقى القرارات الكبرى مثل التعليم والسفر والعلاج من حق الولي.
تعريف جيد على الورق، لكن السؤال الحقيقي: هل يترجم هذا إلى حياة مستقرة للطفل فعلاً؟ هل يشعر الطفل بهذا التوازن الذي يتحدث عنه القانون، أم أنه يعيش في دوامة بين طرفين متنازعين؟
الطفل لا يقرأ القوانين. هو يعيش التفاصيل اليومية التي تحيط به: مكان اللقاء، طريقة الاستقبال، ونظرات من حوله، وما تتركه هذه اللحظات من شعور بالراحة أو التوتر داخله.
هذه اللحظات هي ما يبقى معه، ليس نص الحكم. إذا كانت الحضانة مستقرة، ينشأ الطفل أكثر اطمئناناً. أما إذا تحولت إلى ساحة صراع، أو اختُزلت في لقاء محرج داخل غرفة مغلقة، فقد يكبر وهو يشعر أن عليه أن يختار: إما يرضي والدته، وإما يرضي والده.
والحقيقة أن المسألة ليست في عدد الساعات، وإنما في نوعيتها. ساعة واحدة في حديقة أو مقهى عائلي حيث يشعر الطفل بالراحة أفضل بكثير من ثلاث ساعات في مكتب رسمي يشعر فيها أنه تحت المراقبة. الطفل يحتاج إلى لقاء هادئ، طبيعي، بعيداً عن الأجواء الثقيلة التي تذكّره دائماً بأن هناك خلافاً بين أبويه.
ينص القانون على أن يتم لقاء الطفل بوالده غير الحاضن في زمان ومكان لا يسبب له ضررًا. ويظل اختيار المكان جزءًا أساسيًا من هذه المعادلة، لما له من أثر مباشر في طبيعة اللقاء، وفي شعور الطفل خلاله.
في وقت سابق، طُرح مقترح نيابي يتصل بآلية تنفيذ لقاء الطفل بوالده غير الحاضن في الحالات التي يتعذّر فيها تنظيم الزيارة باتفاق الوالدين، ويقضي بتوسيع دائرة أماكن اللقاء خارج الإطار الرسمي المعتمد حاليًا.
المقترح يتيح لقاء الطفل بوالده في أماكن مألوفة له، بما يجعل اللقاء أقل وطأة عليه وأكثر انسجامًا مع يومه العادي.
وهذا التوجه ينسجم مع قانون الطفل البحريني (2012) الذي وضع «المصلحة الفضلى للطفل» كأساس لأي قرار يخصه.
تُشير المذكرة الإيضاحية للمقترح إلى أن الهدف هو تطوير آلية تنفيذ الزيارات بين الطفل والوالد غير الحاضن بإدراج أماكن جديدة للقاء لتشمل فضاءات عامة آمنة وحيادية، مثل المجمعات والمقاهي العائلية وأماكن الألعاب، بما يحقق بيئة نفسية صحية للطفل ويخفف من ارتباط اللقاء بالطابع القضائي أو النزاع الأسري.
هذا التفصيل يعكس تقاربًا عمليًا بين النص القانوني والتطبيق الاجتماعي، ويعزز التواصل العاطفي الطبيعي بين الطفل ووالده الزائر بعيدًا عن الأجواء الرسمية المغلقة.
إذا كان القانون يعترف بحق الطفل في الرعاية والحماية والنمو السليم، فترتيبات الحضانة يجب أن تُقاس بمعيار واحد: هل تخدم استقراره النفسي؟
بفضل الله خطت البحرين خطوات مهمة في هذا المجال: قانون للأسرة، قانون خاص بالطفل، ومقترحات نيابية تراعي البعد النفسي والاجتماعي. هذا يستحق التقدير والإشادة فعلاً.
لكن التشريع وحده لا يكفي.. التطبيق هو الأهم. وهنا يمكننا الاستفادة من تجارب عربية ناجحة.
في تونس، يُستشار أخصائيون نفسيون قبل الحكم في قضايا الحضانة. وفي المغرب، أماكن اللقاء تشمل مراكز عائلية مخصصة بدلاً من المحاكم.
البحرين لديها القدرة على الاستفادة من هذه التجارب وتطويرها بما يناسب واقعها.
الطفل الذي يلتقي أباه في جو مريح وطبيعي سينشأ أكثر توازناً وثقة. والطفل الذي يشعر بالأمان في علاقته مع والديه سيكون أكثر قدرة على بناء علاقات صحية في حياته كلها.
الأمر بهذه البساطة، وبهذه الأهمية.
rajabnabeela@gmail.com