ضمن هذا السياق، يبرز قصر عيسى الكبير باعتباره أحد أكثر المواقع قدرة على حمل هذه المهمة. فالقصر لا يمثل معلمًا تراثيًا فقط، بل يشكّل فضاءً سياديًا شهد تشكّل القرار، ونضج التجربة المؤسسية، وتبلور العلاقة بين الدولة والمجتمع في لحظة تأسيسية دقيقة. من داخل هذا المكان صيغت ملامح الدولة البحرينية الحديثة، وترسخت مبادئ الحكم المرتبط بالقانون، والمصلحة العامة، والاستقرار المؤسسي.
وانطلاقًا من عام عيسى الكبير، أطرح مقترحًا يتمثل في إعادة تفعيل قصر عيسى الكبير بوصفه فضاءً ثقافيًا سياديًا يتولى سرد نشأة الدولة البحرينية الحديثة من داخل المكان الذي شهد تشكّلها. مقترح لا ينشغل بالشكل المعماري وحده، بل ينطلق من سؤال الدور والوظيفة، ويقرأ المكان باعتباره أداة سرد قادرة على نقل التاريخ بهدوء وعمق. في التجارب الدولية، تُدار القصور ذات الرمزية الوطنية كمؤسسات سيادية معرفية تكمل دور المتاحف الوطنية. فبينما يوثق المتحف الوطني التاريخ الاجتماعي والثقافي، يتولى المتحف السيادي سرد تطور الحكم، وبناء المؤسسات، وتحوّل القيادة إلى مشروع دولة، وعلاقة الكيان السياسي بمحيطه الإقليمي والدولي. هذا النموذج يقدّم الذاكرة الوطنية في صورة متوازنة، ويمنح الدولة سرديتها المؤسسية الكاملة.
ويأتي هذا المقترح متناغمًا مع الرؤية الأشمل لإعادة الاعتبار للمكان التاريخي بوصفه عنصرًا حيًا في التنمية الثقافية والوعي الوطني، إذ يمكن لقصر عيسى الكبير أن يؤدي دورًا معرفيًا طويل الأمد، يحفظ الذاكرة المؤسسية، ويقدّمها للأجيال الجديدة بلغة المكان ذاته، في تجربة تعليمية صامتة وعميقة الأثر.
تكمن أهمية هذا التوجه في أثره الاستراتيجي البعيد؛ فهو يعزز فهم المجتمع لمسار تشكّل الدولة، ويمنح الشباب وعيًا عمليًا بكيف تُبنى الدول، وكيف تتطور مؤسساتها، وكيف تتحول القيادة الواعية إلى مشروع وطني ممتد عبر الزمن. وبهذا، يتحول قصر عيسى الكبير من إطار عمراني إلى شريك في بناء الوعي الوطني، حاملًا سردية الدولة بثقة وهدوء، ومثبتًا الذاكرة في موقعها الطبيعي كأحد أصول السيادة، وركيزة من ركائز المستقبل.
كاتبة وأكاديمية بحرينية