تقرير البحرين/المنامة/ جاء توجيه حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه بأن يحمل العام 2026 اسم (عام عيسى الكبير) كإشارة سيادية واعية تُعيد التاريخ إلى موقعه الطبيعي: مصدرًا للمعنى، وبوصلةً للهوية، وميزانًا تُقاس به قيمة الدولة حين تكرّم بناة نهضتها، ومع الإعلان الرسمي عن (عام عيسى الكبير) بدأت ملامح تفاعل واسع في الصحافة المحلية والبيانات الرسمية وتصريحات القيادات، بين من قرأ القرار باعتباره “وفاءً” ومن قرأه باعتباره إعادة تعريف لفكرة الدولة الحديثة في الوعي العام، خصوصًا أن سيرة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة (1869–1932) ارتبطت تاريخيًا بالانتقال من الإدارة التقليدية إلى تأسيس اللبنات المؤسسية الأولى التي عرّفت البحرين لاحقًا بوصفها دولة تنظيم ومدنية وخدمة عامة.
قرارٌ يفتح سنةً كاملة على الذاكرة الوطنية
اللافت أن التفاعل لم يقتصر على لغة الاحتفاء، بل اتجه سريعًا نحو سؤال: ماذا يعني أن تخصّص دولةٌ عامًا كاملًا لاسم قائد تاريخي؟ هنا بدا (عام عيسى الكبير) كإطار جامع لإعادة قراءة مرحلة تأسيسية، وإعادة تقديمها للأجيال بلغة تستخرج الدروس لا الحنين، وتُبرز كيف تشكّلت الدولة على قاعدة “الأنظمة” لا على المزاج، وعلى فكرة “المؤسسة” لا على الاجتهاد الفردي. وفي هذا السياق أعلنت الجهات الرسمية إطلاق الشعار الرسمي لـ(عام عيسى الكبير) بما يعكس انتقال المبادرة من لحظة إعلان إلى مسار عملٍ وتواصلٍ ممتد طوال العام.
القيادة التنفيذية: “الوفاء للتأسيس” ليس رجوعًا للخلف بل تثبيتٌ للبوصلة
في قراءةٍ تُحيل القرار إلى معناه السياسي-الوطني الأعمق، أشاد سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء بالأمر الملكي، معتبرًا أن تسمية العام احتفاء بباني الدولة الحديثة وقائد النهضة المؤسسية، بما يرسّخ تقدير البحرين لجذورها المؤسسية ويحوّل التاريخ إلى طاقةٍ دافعة للحاضر، ومن زاويةٍ تنفيذية مجتمعية ثمّن الشيخ خالد بن عبد الله آل خليفة نائب رئيس مجلس الوزراء الأمر الملكي، وذهب في توصيفه إلى أن عيسى الكبير ارتبط في الذاكرة الوطنية بالحِكمة والعدل وبُعد النظر، وأن عهده مثّل انتقالًا تأسيسيًا نحو الدولة النظامية وبدايات مؤسسات القانون والخدمات، بما يجعل تسمية العام رسالةً جامعة تُظهر أن البناء المعاصر امتدادٌ لمسارٍ أصيل لا قطيعة معه.
السلطتان التشريعيتان: “تسمية العام” تعميق للوعي لا مناسبة بروتوكولية
في المشهد النيابي، برزت تصريحات متعددة التقت عند فكرة واحدة: أن (عام عيسى الكبير) ليس مناسبة احتفالية، بل فرصة وطنية لصياغة وعيٍ تاريخي حديث يربط الناس بجذور الدولة. صحيفة (الأيام) نقلت نماذج لعدد من النواب الذين رأوا في القرار “رسالة وفاء” لقامات الوطن، ودعوةً للمؤسسات كي تحوّل الاسم إلى برامج ثقافية وتعليمية ومعرفية تُقرأ بها التجربة البحرينية في بناء المؤسسات وتطوير الإدارة والنهضة.
وعلى صعيد مجلس الشورى، جاء توصيف رئيس المجلس باتجاه قريب: اعتبار «عام عيسى الكبير» محطة تقدير وطنية تُضيء السيرة المشرقة لقائد النهضة المؤسسية الحديثة، بما يفتح الباب أمام أعمال توثيقية وثقافية تُعيد عرض المرحلة التأسيسية بمضامينها لا بعناوينها فقط..
كما أشار رئيس مجلس النواب الاستاذ أحمد المسلم إلى “أن الاحتفاء بالشيخ عيسى بن علي آل خليفة احتفاء بمرحلة تاريخية حكم فيها البلاد (1869–1932) وشهدت تشكل الكثير من ملامح الدولة الحديثة”.
أصوات من الصحافة المحلية: من “القرار” إلى “المعنى” إلى “الممارسة“
في صحيفة (البلاد) ظهر اتجاه مهم في التعاطي مع (عام عيسى الكبير) الانتقال من عبارة “نثمّن” إلى سؤال “كيف نُحوّل الاسم إلى فعل؟”، ونُشرت مادة جمعت تفاعلات رسمية ومجتمعية اعتبرت العام مناسبة وطنية لتجديد الاعتزاز بالهوية واستلهام قيم القادة المؤسسين، مع التأكيد أن ما تشهده البحرين من ازدهار اليوم يُقرأ كامتداد لمسار تأسيسي أرساه عيسى الكبير ثم استمر عبر قيادات لاحقة وصولًا إلى العهد الحالي، وفي السياق نفسه، نقلت (الأيام) تصريحات شددت على أن العام فرصة لتعميق الوعي التاريخي والثقافي وتسليط الضوء على التجربة البحرينية في بناء الدولة والمؤسسات، مع دعوة لبرامج مجتمعية واسعة تخرج من لغة التهنئة إلى ورش العمل والفعاليات والمناهج والندوات.
خلفية تاريخية: لماذا عيسى الكبير تحديدًا؟
إذا أردنا فهم “منطق التسمية” لا “صياغتها”، فالسيرة التاريخية لعيسى الكبير تُقدَّم باعتبارها نقطة انعطاف: مرحلة أمن واستقرار، وبدايات تنظيم إداري وخدماتي، واهتمام مبكر بالتعليم والصحة والبنية العامة، وتُعد بلدية المنامة (1919) واحدة من أبرز العلامات المؤسسية المبكرة في الخليج، كما شهدت فترة حكمه أول انتخابات بلدية (1926)، وهي محطة تُستحضر كثيرًا في الكتابات البحرينية بوصفها لحظة مبكرة لتطور الإدارة المحلية، وتشير مواد الصحافة المحلية التي واكبت (عام عيسى الكبير) إلى محطات أخرى ارتبطت بتعزيز المرافق الصحية (إنشاء عيادة طبية مبكرة في المنامة ثم مستشفى الإرسالية الأمريكية في مطلع القرن العشرين)، إلى جانب ملامح تنظيمية وخدمية أخرى أُسست خلال تلك المرحلة.
لماذا لامس القرار الوجدان البحريني سريعًا؟
لأن البحرينيين في كثير من تعبيراتهم الصحفية والرسمية لا يتعاملون مع التاريخ كأرشيف جامد، بل كـ“قصة دولة” تُعلِّم وتُفسِّر وتمنح الحاضر جذوره، تسمية العام هنا تُشبه وضع ضوء قوي على مرحلة تأسيسية، ثم دعوة المجتمع كله ليقرأ: كيف بُنيت فكرة البلدية؟ كيف استقام ميزان القضاء والخدمة العامة؟ كيف صعد التعليم من مبادرات إلى مدارس نظامية؟ وكيف صارت الدولة “منظومة” يمكن للناس الاعتماد عليها؟
ما الذي ينتظره الناس من (عام عيسى الكبير) ؟
من خلال نماذج التغطيات المحلية، تبدو التوقعات ذاهبة إلى أن يكون العام “سنة عملٍ وطنية” تُترجم إلى:
مسارات توثيق تاريخي مبسّط للشباب، فعاليات عامة تعيد تقديم المحطات المؤسسية الأولى بلغة قريبة، محتوى صحفي وتلفزيوني يربط الماضي بالحاضر دون مبالغة، وبرامج تعليمية أو ثقافية تُخرج اسم «عيسى الكبير» من التداول الموسمي إلى معنى مستمر في الوعي. وهذه بالضبط النقطة التي كررتها عدة تصريحات منشورة: أن التسمية لا تكتمل بذاتها، بل بما تولّده من معرفة مجتمعية وشعور بالانتماء ووعي بمسار بناء الدولة.