الرئيسية / مقالات / زرياب وفن الإتيكيت..بقلم منى الروبي
منى الروبي

زرياب وفن الإتيكيت..بقلم منى الروبي

كان يا مكان.. في بغداد العباسية وعلى ضفاف دجلة، وُلد نجم فني اسمه زرياب، واسمه الحقيقي أبو الحسن علي بن نافع، في أواخر القرن الثامن الميلادي، لُقّب بزرياب تشبيهاً بطائر الشحرور الأسود، لجمال صوته وسمرة بشرته، وتشير مصادر تاريخية إلى أصوله الإفريقية. لم يكن موسيقياً فحسب، بل مشروع حضاري متكامل جمع بين الفن والسلوك والذوق العام.

نشأ زرياب في بغداد في ظل الخلافة العباسية، في زمن هارون الرشيد ثم المأمون، وتتلمذ على يد الموسيقي الكبير إسحاق الموصلي، أحد أعمدة الموسيقى في البلاط العباسي. إلا أن زرياب امتلك نزعة تجديدية واضحة، سواء في الأداء أو التلحين، ما أثار الغيرة والتنافس داخل بيت معلمه. ومع تصاعد الخلاف، وضيق الأفق أمام موهبته، وجد نفسه مُبعداً عن مجالس البلاط، فاختار الرحيل حفاظاً على فنه وحريته.

غادر بغداد متجهاً إلى الشام، ثم إلى القيروان في إفريقية، قبل أن يعبر إلى الأندلس في بدايات القرن التاسع الميلادي. وهناك، استقبله الأمير عبد الرحمن الأوسط في قرطبة استقبال العلماء والفنانين الكبار، وقرّبه وجعل له مكانة خاصة. لم يكن زرياب وافداً عادياً، بل أصبح مؤسس مدرسة فنية وثقافية غير مسبوقة في الغرب الإسلامي.

في قرطبة أحدث زرياب ثورة في أسلوب الحياة، وضع نظاماً متكاملاً للمائدة، يبدأ بالمقبلات ثم الطبق الرئيسي فالحلوى، وهو ترتيب لم يكن معروفاً في أوروبا آنذاك، دعا إلى استخدام أواني الزجاج بدلاً من الذهب والفضة، تعزيزاً للنظافة والاعتدال. وفي اللباس، أسّس مفهوم تغيير الملابس حسب الفصول، فميّز بين أقمشة الصيف والشتاء، وربط الألوان بالمزاج والمقام الاجتماعي.

أما في الموسيقى فأضاف الوتر الخامس إلى العود، وطوّر أساليب الغناء، ناقلاً الأداء من التكرار إلى التعبير، ومن الصنعة إلى الإحساس، أسّس أول معهد موسيقي منظم في الأندلس، خرّج أجيالاً من المغنين والمغنيات، وانتقل تأثيره لاحقاً إلى جنوب فرنسا وإيطاليا.

امتد فكر زرياب إلى السلوك اليومي فدعا إلى أدب الحديث، خفض الصوت، احترام المستمع، ونقاء الألفاظ، كان يرى أن الكلمة فن، وأن فساد الذوق يبدأ من فساد اللسان، كما شدد على أدب الاستئذان، واحترام الخصوصية، ورفض التجسس والتنصت، معتبراً أن انتهاك حرمة البيوت فقر أخلاقي قبل أن يكون خطأ اجتماعياً.

مع مرور الزمن أصبحت قرطبة بفضله منارة للذوق الأوروبي، وتسربت قواعد الإتيكيت التي وضعها إلى بلاطات الملوك في أوروبا، حيث تشكّل لاحقاً ما عُرف بالإتيكيت الملكي الغربي، حاملاً بصمة فنان جاء من بغداد.

هكذا بقي زرياب رمزاً لرجل حوّل الفن إلى أسلوب حياة، وجعل من الذوق علماً، ومن الأخلاق ممارسة يومية، فصار اسمه جسراً حضارياً بين الشرق والغرب، وحكاية خالدة عن قوة الإبداع حين يُحاصر في وطنه فيصنع مجده في العالم.