في أحد المعارض الفوتوغرافية التي زرتها مؤخرًا، حضرت لأستمتع بإبداع الفنان البحريني كما يتجلّى في الصور المعروضة وتفاصيل العرض، زائرة لا كاتبة.
الوصول إلى ذلك المعرض جاء عبر تعارف سابق مع الرسام والخطاط البحريني ذي التجربة الثرية محمود أحمد الملا، الذي دعاني إلى حضور معرض المصور البحريني عبدالله الخان. ومع الدخول إلى القاعة، بدأت التجربة تتجاوز جمال الصور على الجدران، حيث امتدت إلى نقاش هادئ حول التوثيق، والذاكرة، ودور الصورة في حفظ لحظات من تاريخ المكان والناس والذاكرة البصرية.
ذلك اللقاء أعاد إلى ذهني حجم ما راكمه الفن في البحرين عبر سنوات؛ من تجارب فردية صاغتها الممارسة اليومية، وأسماء تركت أثرها، ومسارات تداخلت وتطورت. الفنان البحريني حاضر داخل مشهد حي، ومن موقعي كمتابعة للفن ومحبّة له بأشكاله المختلفة، أرى أن الموهبة تحتاج دائما وقبل أي شيء آخر، إلى بيئة تمنحها الثقة والمساحة لتنمو بطريقتها.
هذا المشهد لا يمكن فصله عن سياق أوسع من العمل الثقافي الممتد، فدعم الفنون في البحرين حاضر منذ سنوات، في إطار جهود تقودها هيئة البحرين للثقافة والآثار، إلى جانب مبادرات ثقافية وفنية متعددة، شملت رعاية المواهب، تطوير البنية الثقافية، وفتح مساحات للحضور الدولي، مع ربط الثقافة بدورها الاجتماعي والاقتصادي. فقراءة أي مبادرة جديدة ضمن هذا الإطار تجعلها امتدادًا لمسار قائم، لا خطوة معزولة عنه.
وعبر هذا الحراك، ظهرت محاولات جادة تركت أثرها على الأرض. برامج إقامة فنية فتحت أمام الفنانين تجارب أوسع وربطتهم بمشاهد إبداعية خارجية، وإسهامات مثل «فن البحرين عبر الحدود» قدمت الأعمال البحرينية في محافل دولية قبل سنوات. إلى جانب ذلك، ظلت المعارض السنوية والجمعيات الفنية والأدبية تشكل مساحة ثابتة تُظهر تنوع الإبداع لدينا واختلاف لغاته وأساليبه.
وفي هذا السياق، يأتي إعلان إطلاق المركز الدولي للاقتصاد الإبداعي كإضافة جديدة تُكمّل هذا المسار. المشروع يقوم على شراكة تجمع مكتب ترويج الاستثمار والتكنولوجيا التابع لمنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، ومؤسسة راشد بن خليفة للفنون، والمركز الدولي لريادة الأعمال والابتكار، في تلاقٍ بين الخبرة التنموية الدولية والتجربة الفنية المحلية.
حين نتابع تجارب فنية في مدن أخرى، نلاحظ أن الفن لا يُترك للصدفة. دائما ما يُمنح الفنان وقتا ومساحة وأدوات واضحة تساعده على العمل، من دون أن يُطلب منه تبرير وجوده أو استعجال خطواته. هذا النوع من التنظيم يوفر للإبداع ما يحتاجه ليستمر بطبيعته.
بهذا الفهم، يُنظر إلى الاقتصاد الإبداعي بوصفه طريقة عملية لتنظيم العلاقة بين الإبداع والعمل. الفكرة هنا دعم الفنان بأدوات تساعده على الاستمرار؛ بضمانات قانونية تحمي حقوقه، ومهارات تنظيمية تُسهل عليه إدارة عمله، وفرص تدريب تفتح أمامه آفاقا أوسع.
وكأي مسار جديد، يرافق الانتقال نحو الاقتصاد الإبداعي تحديات طبيعية. فالأمر يتعلق بطريقة التطبيق؛ كيف تصل الفرص إلى مختلف الفنانين، كيف تُحفظ مساحة حقيقية لحرية التعبير، وكيف يُقدم دعم مهني مستمر لا يرتبط بموسم أو فعالية واحدة. التعامل الواعي مع هذه التفاصيل يمنح المشروع فرصة أكبر للنمو، ويجعله أكثر قدرة على الاستمرار مع الوقت.
هكذا يُقرأ الاقتصاد الإبداعي؛ كجزء من منظومة ترى في الفن قيمة مستمرة، وتتعامل معه بوصفه عملا جادًا يستحق التنظيم والدعم. ومع هذا الفهم، يصبح المركز إضافة هادئة، تتكامل مع ما سبقها، وتفتح أفقا عمليا لما هو قادم.
عن صحيفة (أخبار الخليج)
rajabnabeela@gmail.com