تقرير البحرين/المنامة/ منذ بداية الاحتفالات، بدت الشوارع نابضة بالحياة على نحو مختلف، السيارات المزيّنة بالأعلام، الأطفال بملابسهم الجديدة وهم يمسكون علم البحرين ببراءة لافتة، انتشار صور جلالة الملك وسمو ولي العهد في مختلف المناطق، كلها تفاصيل كوّنت مشهدًا جميلا لا يمكن فصله عن سياقه العام،، هذه الصور كانت تعبيرًا عن علاقة قائمة بين المواطنين وقيادتهم، علاقة تقوم على الثقة والشعور بالانتماء، اللافت كذلك أن المقيمين كانوا جزءًا من هذه الأجواء، حضروا الفعاليات وتفاعلوا معها، في مؤشر واضح على أن الفضاء العام في البحرين ما زال قادرًا على استيعاب الجميع في لحظات الفرح الجماعي.
الخروج الكثيف للناس من بيوتهم لم يكن بحثًا عن ترفيه فقط، بل حمل دلالات أعمق. الطقس الجميل ساعد، لكن الأهم أن الأسر خرجت مجتمعة، بأبنائها وأحفادها، في مشاهد تعكس تماسكًا اجتماعيًا واضحًا. عائلات كاملة تتحرك في اتجاه واحد، شابة تقود السيارة والوالد يجلس في المقدمة وبقية أفراد الأسرة في الخلف، الجميع متجه إلى الاحتفال دون توتر أو تردد. هذه الصورة الاجتماعية تحمل في داخلها قراءة سياسية مباشرة، مفادها أن المجتمع يشعر بدرجة من الطمأنينة تسمح له بالحضور في الشارع بثقة، وأن العلاقة بين الناس والمكان العام لا تزال قائمة على الإحساس بالأمان.
وسط هذه الحركة، كان انتشار رجال الشرطة واضحًا ومنظمًا. تنظيم للحركة المرورية، إرشاد للناس إلى مواقف السيارات، وتسهيل الوصول إلى مواقع الفعاليات، دون مظاهر استعراض أو تشديد. هذا الحضور العملي عزز الإحساس بأن الدولة حاضرة في التفاصيل اليومية، تعمل على تنظيم الحياة لا تعطيلها، وتوفّر شروط الفرح بدل أن تراقبه من بعيد.
وفي مدينة المحرق، بلغ المشهد ذروته، خاصة في مساء الأربعاء الماضي ازدحام كبير لم تشهده المدينة منذ سنوات، دفع كثيرًا من الأسر إلى إيقاف سياراتها بعيدًا عن مواقع الفعاليات، ثم مواصلة الطريق مشيًا على الأقدام. آباء يحملون أطفالهم على الأكتاف، وآخرون يرفعون علم البحرين وهم يتقدمون نحو قلب المحرق، في مشهد يحمل قدرًا كبيرًا من التعب والبهجة معًا. هذا الحضور الجسدي الكثيف أعاد ربط الناس بالمكان، ومنح الاحتفال معنى لا يمكن نقله عبر الصور وحدها.
وخلال أيام متتالية، استقبلت المحرق زوارًا من مختلف مناطق البحرين، ومن المملكة العربية السعودية أيضًا، جاءوا خصيصًا لحضور “ليالي المحرق” وفعالياتها المتنوعة. الأزقة القديمة، خاصة القريبة من السوق، امتلأت بالعروض التراثية والحركة المستمرة، فأعاد ذلك للمكان روحه التاريخية، وخلق تفاعلًا حيًا بين الماضي والحاضر. العروض الشعبية جذبت البحرينيين والمقيمين من جنسيات مختلفة، الأطفال يركضون بحرية، والكبار يستعيدون ذكريات قديمة، في مشهد أعاد للمحرق صورتها التي يحبها الجميع، وأكد أن الهوية حين تُقدَّم ببساطة تصبح عامل جمع لا سبب انقسام.
في الوقت نفسه، امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بالصور والمقاطع والتهاني، دون تنسيق أو توجيه واحد. ما نُشر كان انعكاسًا مباشرًا لما جرى في الشوارع، مشاهد بسيطة لكنها صادقة، نقلت إلى الخارج صورة بلد يعيش حالة فرح حقيقية، تشكّلت من الناس أنفسهم، لا من الخطاب الرسمي فقط. هذه الرواية الشعبية الرقمية شكّلت امتدادًا طبيعيًا للمشهد على الأرض، ومنحته بعدًا أوسع.
سياسيًا، اكتسبت هذه الاحتفالات وزنًا إضافيًا مع تزامنها مع العفو الملكي عن عدد كبير من الشباب. الخطوة استُقبلت في البيوت بحس إنساني واضح، انعكس فرحًا على الأسر وشعورًا بالامتنان، وأسهم في رفع منسوب الثقة العامة. كثيرون رأوا في هذه المبادرة رسالة تهدئة وفتح أفق جديد، خصوصًا أنها جاءت في لحظة احتفال وطني جامعة.
ومع استمرار مشاريع البنية التحتية وأعمال الطرق والأنفاق والجسور في أكثر من موقع، بدا أن المزاج العام يربط بين الاستقرار السياسي واستمرار العمل الميداني، حتى مع بقاء التحديات المعيشية حاضرة في النقاش اليومي. اللافت أن المجتمع البحريني، وهو يحتفل، لم يتخلّ عن النقد أو المطالبة أو التعبير عن الضيق، لكنه في الوقت نفسه أكد تمسكه بالوطن وبفكرة الدولة وبالقيادة السياسية، في توازن يعكس وعيًا اجتماعيًا ناضجًا.
وفي الخلاصة أقول أن احتفالات العيد الوطني لهذا العام كشفت عن لحمة وطنية متماسكة، وعن جبهة داخلية قوية، وعن قدرة المجتمع البحريني على التعبير عن موقفه السياسي والاجتماعي بلغة هادئة، وبحضور كثيف، ودون صدام أو ضجيج. وهو مشهد لم يكن ليتحقق لولا قدر من التعاون والتكاتف بين مختلف مكونات المجتمع، وشعور عام بأن الوطن، في هذه اللحظة، يتسع للجميع.