الرئيسية / أخبار / شفرة  فان جوخ..!!..بقلم منى الروبي

شفرة  فان جوخ..!!..بقلم منى الروبي

في رحلتي الأخيرة إلى هولندا، وجدت نفسي أمام عالم فان جوخ وجهاً لوجه. لم تكن الزيارة مجرد مرور في متاحف ولا تأمل للوحات، بل كانت تجربة شعورية دفعتني إلى استلهام هذه القراءة المتخيلة لحياة الفنان ولوحاته، وكأنها رسائل رمزية كان يودعها في أعماله قبل رحيله. وبين أروقة متحف فان جوخ في أمستردام وحقول أوفير، تشكلت لي صورة إنسان عاش بين العبقرية والاضطراب، محاولاً أن يجد معنى لوجوده عبر اللون والضوء.

وُلد فينسنت فان جوخ عام 1853 في هولندا، وعاش حياة قصيرة لكنها صاخبة بالفن والبحث عن الذات. لم يكن الرسم بالنسبة له هواية ولا مهنة فقط، بل كان الوسيلة الوحيدة ليواجه بها صراعاته الداخلية. فرسم أكثر من 900 لوحة خلال عشر سنوات فقط، رغم أن اسمه لم يلمع إلا بعد وفاته عام 1890. وفي زيارتي لأماكن عاش فيها ورسم، بدا لي وكأنه يترك خيوطاً غير مرئية تنبئ بما سيحدث لاحقاً في حياته.

تحتل شجرة السرو مكانة محورية في أعماله، خاصة في الفترة بين 1889 و1890 أثناء إقامته في مصحة سان ريمي. كان يعاني حينها من نوبات اضطراب حادة، ورغم ذلك كان يخرج إلى الحدائق ليرسم (السرو) بدقة تكاد تشبه التوسل. كانت الشجرة لديه رمزاً للثبات، وللعلاقة بين الأرض والسماء، وفي بعض التفسيرات بدت (السرو) كأنها محاولة علاجية، يسكب فيها اضطرابه ويبحث من خلالها عن توازن مفقود. لقد رسم السرو كما لو كان يبحث عن طريق روحي يخفف من آلامه.

أما لوحة الكنيسة في أوفير التي أنجزها عام 1890، فهي تعكس صراعاً آخر في حياته. الكنيسة في اللوحة تظهر معزولة، بلا باب واضح، وظلالها ثقيلة وكأنها ترفض استقبال من يمر أمامها، المفارقة المؤلمة أن هذه الكنيسة نفسها رفضت إقامة صلاة الجنازة عليه بعد وفاته، بحجة انتحاره وكأنه في تلك اللحظة كان يتنبأ بهذا الرفض، يرسم مبنى للروح لكنه مغلق في وجهه، فيتحول المكان إلى رمز لوحدة متجذرة كان يشعر بها.

وتبلغ هذه النبوءات الفنية ذروتها في لوحة حقل الغراب، التي رسمها في يوليو 1890، قبل أيام قليلة من انتحاره الحقل الواسع الطرق المتشعبة التي لا تقود إلى أي مكان، والغربان التي تحوم في السماء، كلها عناصر توحي بالنهاية. لقد أنهى حياته في المكان نفسه، فبدت اللوحة وكأنها رسالة وداع مشفرة.

وهكذا، بين (السرو) والكنيسة والغراب، يترك فان جوخ إرثاً بصرياً يكشف مسار روحه قبل أن ينطفئ، إنّ تجربة زيارتي لهولندا جعلتني أقرأ أعماله كاعترافات مفتوحة، ونبوءات رسمها اللون قبل أن ينطق بها القدر.