تقرير البحرين/المنامة/ تُولد بعض الأسماء لتكون علامات فارقة في مسيرة الفن، وتأتي شخصيات نادرة تمتلك قدرة على تحويل الدراما من عمل فني إلى تجربة إنسانية كاملة، ومن بين هذه الشخصيات ظهر كعلامة بارزة لها وقعها الخاص اسم المخرج البحريني الخليجي العربي الأستاذ أحمد يعقوب المقلة، أحد أهم صُناع الدراما الخليجية والعربية، وأكثر المخرجين تأثيرًا في الوجدان الفني خلال العقود الأربعة الماضية.
منذ التحاقه بهيئة الإذاعة والتلفزيون في البحرين عام 1982 كمساعد مخرج، بدا المقلة مختلفًا؛ فقد كان يقرأ النص بعين الشاعر، ويستمع للمشهد بأذن الموسيقي، ويتعامل مع الكاميرا كما لو أنها امتداد لروحه، ومع كل عمل، كان ينقل الدراما من الحيوية المألوفة إلى الحياة الحقيقية، ويمنح الشخصيات صدقًا يجعلها قريبة من الجمهور، ويحوّل القضايا إلى مرآة واضحة تعكس المجتمع وتناقش تفاصيله، هذه القدرة على تقديم الدراما الحية جعلته مخرجًا يفضله المشاهدون والمنتجون والفنانون، لأنه يملك ما هو أبعد من التقنية: يملك روحًا تلتقط أحاسيس النص وتعيد تقديمها بقدرة إنسانية نادرة.
شهدت فترة التسعينات وما بعدها قفزة ذهبية في المسيرة الفنية للمخرج أحمد يعقوب المقلة، وهي المرحلة التي رسخت حضوره إذ قدّم خلالها سلسلة من الأعمال المتنوعة التي كشفت قدرته على المزج بين التراث والواقع، وبين البساطة الشعبية والعمق الإنساني، بدأ هذه المرحلة بعمل (غناوي بو تعب) الذي احتفى بالهوية البحرينية في قالب قريب من الناس، وتبعه (صور قديمة) الذي أعاد قراءة الذاكرة الشعبية برؤية إخراجية لافتة، ثم جاء (البيت العود) ليضع اللبنات الأولى لدراما تستند إلى التفاصيل الدقيقة في الأسرة والمجتمع.
ومن أعماله المميزة (فرجان لول) الذي شكّل محطة مهمة أعاد من خلالها إحياء صورة الفرجان القديمة بشاعرية ودفء كبيرين. وفي العمل (حالات) قدّم المقلة معالجة اجتماعية وإنسانية جريئة تعكس حساسيته العالية تجاه قضايا المجتمع، واستمر العطاء مع (ملفى الأياويد) وتمثيلية (أم ناصر)، وهما عملان رسّخا قدرته على تصوير العلاقات الإنسانية والبيئة البحرينية الأصيلة بواقعية عميقة. وتوالت نجاحاته مع (أبيض.. أسود) الذي فتح بابًا جديدًا للدراما القائمة على التناقضات النفسية والاجتماعية، وكذلك (حزاوي الدار) ثم جزؤه الثاني، وهما عملان أعادا للتراث البحريني بريقه وقدّما منهجًا إخراجيًا خاصًا في التعامل مع الحكاية الشعبية.
وبعد ذلك جاء مسلسل (سعدون)، إضافة إلى مشاركته في إخراج العمل السوري (العوسج) الذي وسّع حضور اسمه خارج الحدود المحلية، ليختتم تلك المرحلة بعمل بارز هو (نيران) من تأليف أمين صالح، وهو من الأعمال التي اعتُبرت نقلة نوعية في تطور الدراما البحرينية لما حمله من عمق فكري وبناء بصري متقن، جعل من المقلة مخرجًا قادرًا على قيادة أعمال ذات رؤية فنية عالية، وهذه فقط نماذج من بحر إبداعه الرصين.
إن الأعمال التراثية التي أخرجها الفنان المبدع أحمد المقلة أعادت الجمهور إلى بيئته الأولى، بينما لامست أعماله العصرية والحديثة هموم الناس وتطلعاتهم، وتميّز خلالها بتقديم صورة خليجية راقية وواقعية في الوقت نفسه. ومن الجوانب النادرة في تجربة المقلة إنسانيته العالية؛ فقد أجمع الفنانون على أنه مخرج محبوب، هادئ، راقٍ في تعامله، يمنح الممثلين ثقة كبيرة، ويحتضن المواهب الشابة، ويعامل الجميع من نجم الصف الأول إلى أبسط كومبارس باحترام واحد وابتسامة واحدة، وقد أكد من خلال كل أعماله على قدرة الفنان البحريني والخليجي على الإبداع والابتكار والتجديد، هو رمز فني وإنساني جمع بين الموهبة والانضباط، وبين الأصالة والتطوير، وبين الرؤية الفنية الواسعة والتواضع العميق.
ورغم حضوره الكبير في الإخراج، يبقى أحمد يعقوب المقلة إنسانًا رقيق المشاعر وصاحب قلب محب، ينعكس دفؤه في تعامله مع الناس وفي احترام الجميع له دون استثناء، وهو شاعر إلى جانب كونه مخرجًا، وقد أصدر ديوانه الجميل (شطّ الوله) الذي يكشف عن حساسية عالية في الكلمة وعمق في الشعور، وفي قصائده يمتزج الخيال بالشجن، والصورة بالإيقاع، تمامًا كما يفعل في أعماله الدرامية، ولهذا أحبه الناس فنانًا وإنسانًا، ووجدوا فيه روحًا صافية وموهبة متعددة لا تتكرر، نبارك له هذه المسيرة التي تستحق الاحتفاء، ونتمنى له دوام التألق والإبداع.