سألقي عليكم هذا الاسبوع قصة (جلجامش) من منظور فني، وكيف أن الأسطورة تتجسد في الفن… كان يا مكان يا سادة يا كرام، في أوروك، المدينة التي نمت على ضفاف دجلة والفرات، ملكٌ نصفه بشر ونصفه من الآلهة، اسمه جلجامش، كان شديد القوة لكنه مستبد، فاشتكى الناس ورفعوا شكواهم إلى السماء. استجابت الآلهة وخلقت إنكيدو، المخلوق البري الذي خرج من البراري، قوته كقوة الثور وشعره كالسنابل، عاش بعيدًا عن المدن حتى التقى جلجامش، فاشتعل الصراع بينهما ثم تحولت المعركة إلى صداقة صادقة أعادت إلى جلجامش إنسانيته.
خاضا معا مغامرات، أولها مواجهة خمبابا في غابة الأرز، حيث صوته كان كالرعد. عاد جلجامش منتصرًا، لكنه ازدادت كبرياؤه، وعندما رفض حب الإلهة عشتار، أرسلت ثور السماء، فقتله هو وإنكيدو، ثم توفي إنكيدو أمام صديقه، هنا بدأ جلجامش رحلة جديدة، رحلة من الخوف أمام الموت إلى البحث عن معنى الحياة، سار عبر الجبال والبحار حتى وصل إلى دلمون، أرض الطهارة والنقاء، حيث تعلم من أوتنابشتم حكمة الطوفان. حاول الحصول على الخلود عبر زهرة بيضاء، لكن سرقتها منه الأفعى وهو نائم، ففهم أن الخلود الحقيقي ليس للجسد، بل للأثر الذي يتركه الإنسان.
في الفن، تترجم هذه الملحمة إلى أعمال خالدة، في المتحف العراقي ببغداد توجد ألواح طينية أصلية تعود إلى القرن السابع قبل الميلاد تصور مغامرات جلجامش وإنكيدو، وهي من أقدم الوثائق الفنية للحضارة السومرية، وفي متحف البحرين الوطني تعرض مناظر لجلجامش أثناء رحلته، خاصة مشاهد قتال الأسد والزهرة البيضاء، ضمن قاعة حضارة دلمون التي تعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد، الفنان العراقي سنان حسين رسم سلسلة لوحات بين 2005 و2015، جسد فيها الصراع بين القوة والرحمة، مستخدمًا اللون والرمز بطريقة تعبيرية تجريدية.
كذلك صنع النحات السوري أحمد الصائغ تمثالًا برونزيًا عام 1998 يظهر جلجامش ممسكًا بالأسد، يرمز إلى شجاعة الإنسان وهشاشته معا، وفي ألمانيا أنتج النحات أندرياس لوشنر-جورناو تمثالًا خزفيا عام 2010 يربط بين شخصية جلجامش والأسطورة عبر خطوط مستوحاة من الكتابة المسمارية.
كل هذه الأعمال والمتاحف تجسد رحلة جلجامش الفنية والإنسانية، من القوة والغطرسة إلى الحكمة والوعي، كفنانة أرى في هذه الملحمة لوحة حية، حيث يمتزج الإنسان بالأسطورة، والفن بالتاريخ، لتبقى قصة جلجامش حيّة في أعيننا ووجداننا، تشهد على أن الخلود ليس في الجسد، بل في أثر الإنسان وفنه وحضارته، وهو ما يجعل هذه الشخصية باقية في ذاكرة البشرية عبر آلاف السنين.