تقرير البحرين/جنيف/ تشهد الجغرافيا الدبلوماسية في جنيف حراكًا غير عادي مع اقتراب نهاية ولاية أنطونيو غوتيريش، واقتراب موعد الانتخابات الأممية الحاسمة لعام 2026. لكن ما يدور اليوم ليس مجرد سباق إداري على موقع دولي، بل هو انعكاس مباشر لقلق عالمي متزايد، وضبابية سياسية تضرب قلب النظام الدولي.
وحسب موقع (https://global-media.news/) منذ أسابيع، تتوالى الاجتماعات المغلقة والمشاورات الثنائية، بينما يزداد شعور المراقبين بأن العالم يقف أمام مفترق طرق: هل ستُعيد الأمم المتحدة تعريف نفسها؟ أم ستبقى أسيرة قواعد الحرب الباردة وموازين القوى القديمة؟
أولاً: شرعية مهزوزة ونظام اختيار مبهم
منذ 1946 ظل منصب الأمين العام محاطًا بغموض مؤسسي، تتحكم فيه الدول الخمس دائمة العضوية وكأنها “مجلس حكماء غير مُنتخب”. ورغم محاولات الجمعية العامة في سبتمبر الماضي لتعزيز الشفافية، إلا أن حقيقة الحسم بقيت رهينة الفيتو الخماسي، حيث لا يمكن لأي مرشح أن يمر ما لم يحصل على 9 أصوات في مجلس الأمن بلا اعتراض من واشنطن أو موسكو أو بكين أو لندن أو باريس.
هذا الوضع بات موضع انتقاد عالمي واسع. دول الجنوب ترى أنه لم يعد يعكس طبيعة العالم في 2025، ومنظمات المجتمع المدني تشير إلى مفارقة أخلاقية فادحة: أكثر من سبعة عقود دون امرأة واحدة تتولى قيادة المنظمة.
ثانيًا: صراع جغرافي على الدور المؤجل
في قلب السباق تتصارع روايتان إقليميتان:
- أوروبا الشرقية التي لم تنل المنصب قط منذ التأسيس، وتعتبر اللحظة الراهنة “استحقاقًا تاريخيًا مؤجلًا”.
- أمريكا اللاتينية والكاريبي التي لم تقدم أمينًا عامًا منذ 34 عامًا، لكنها تدخل السباق هذه المرة بأقوى مجموعة ترشيحات في تاريخها.
إلا أن هذا التنافس الطبيعي يزداد تعقيدًا بفعل حرب أوكرانيا، وتدهور الثقة العالمية في المؤسسات متعددة الأطراف، وعودة خطوط الاستقطاب الكبرى.
ثالثًا: واشنطن… العامل المجهول الذي قد يقلب الطاولة
لطالما لعبت الولايات المتحدة دورًا مركزيًا في اختيار الأمناء العامين. لكن اليوم، هناك سيناريو غير مستبعد: عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.
الدوائر الدبلوماسية في جنيف تتحدث بصراحة عن أن عودة ترامب قد تعطل التوجه الدولي نحو اختيار امرأة من أمريكا اللاتينية، وربما تدفع واشنطن نحو مرشح “أكثر تحفظًا” أو أقرب لأجندتها السياسية.
هذا الاحتمال وحده كفيل بتغيير قائمة المرشحين، وربما فتح الباب لأسماء لم يلتفت إليها أحد في البداية.
رابعًا: خريطة المرشحين… بين ثقل التجربة وميزان القوى
تضم القائمة الحالية أسماء راسخة في العمل الدولي:
أبرز المرشحات والمرشحين:
ميشيل باشيليت (تشيلي)
الرئيسة السابقة والمفوضة السامية سابقًا لحقوق الإنسان، وخبرة طويلة على رأس هيئة الأمم المتحدة للمرأة. نالت دعمًا رسميًا من رئيس تشيلي غابرييل بوريك الذي أكد أن “المساواة ليست لفتة رمزية بل شرط لزيادة الشرعية”.
رافائيل غروسي (الأرجنتين)
المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، بملف ثقيل في الأمن النووي وإدارة الأزمات، وقد أعلن ترشحه رسميًا في مؤتمر بواشنطن. يشدد على أن “الجنس لا يجب أن يكون معيارًا”.
ريبيكا غرينسبان (كوستاريكا)
الأمينة العامة للأونكتاد، وفاعلة رئيسية في التفاوض على مبادرة حبوب البحر الأسود. برنامجها يضع إصلاح النظام متعدد الأطراف في صدارة أولوياتها.
ديفيد تشوكيهوانكا (بوليفيا)
نائب الرئيس البوليفي، يحمل خلفية سياسية قوية، لكنه يواجه صعوبات في نيل توافق واسع.
برونو دونات (موريشيوس)
دبلوماسي أممي يمثل تقليديًا الصوت الأفريقي، وحظوظه مرتبطة بدعم القارة ونوعية التفاهمات الخارجية.
أسماء مرشحة محتملة خلف الكواليس:
تتداول الأروقة الدبلوماسية أسماء ثقيلة، منها:
- ميا موتلي (رئيسة وزراء باربادوس)
- أليسيا بارسينا (وزيرة البيئة المكسيكية)
- جاسيندا أرديرن (رئيسة وزراء نيوزيلندا السابقة)
- أمينة محمد (نائبة الأمين العام – نيجيريا/المملكة المتحدة)
- كريستالينا جورجيفا (مديرة صندوق النقد الدولي – بلغاريا)
- أخيم شتاينر (مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي)
- فوك يريميتش (وزير خارجية صربيا السابق)
- ماريا فرناندا إسبينوزا (إكوادور)
هذه الأسماء تكشف حجم التنوع… والأهم: تكشف رغبة العالم في قيادة بصلاحيات حقيقية.
خامسًا: إرث غوتيريش… بين النجاح الإداري والبراغماتية السياسية
يغادر غوتيريش منصبه بعد إرث معقد:
- إصلاحات داخلية ناجحة، أهمها تحقيق التكافؤ بين الجنسين.
- قيادة صريحة وقوية للملف المناخي، جعلته أحد أبرز الأصوات العالمية.
- لكن في المقابل، واجه انتقادات لكثرة صمته أمام انتهاكات القوى الكبرى…
مؤيدوه يرونه واقعية ضرورية، ومعارضوه يعتبرون ذلك تنازلًا عن “القوة الأخلاقية للأمم المتحدة”.
المرشح المقبل سيرث منظمة تتعرض لامتحان وجودي وسط عالم أكثر انقسامًا، وأزمات متلاحقة من المناخ إلى الأمن إلى الاقتصاد.
سادسًا: المرحلة المقبلة… معركة مفتوحة على كل السيناريوهات
خلال الأشهر القادمة سيشهد العالم:
- جلسات استماع علنية قد تكشف توجهات المرشحين.
- اقتراعات سرية متعددة داخل مجلس الأمن قد تمتد أسابيع أو أشهر.
- صفقات سياسية بين كتل إقليمية صاعدة وقوى كبرى تحتفظ بمفاتيح الحسم.
ويبقى السؤال الأعمق:
هل ستستجيب الأمم المتحدة لمطالب التغيير؟
أم سيعيد الخمس الكبار إنتاج نفس الواقع الذي حكم المنظمة طوال ثمانية عقود؟
هذا السباق ليس منافسة على وظيفة عليا…إنه اختبارٌ لمستقبل النظام الدولي نفسه.
15 نوفمبر 2025