لكل حضارةٍ اسمٌ لا يُمحى، فهي ليست حجارةً صامتةً ولا معابدَ مهجورة، بل ذاكرةُ أمةٍ تراكمت عبر الزمن، من عرقٍ وشعبٍ وأرضٍ ودمٍ وسعيٍ نحو الخلود. وحين قسمت الحدود الأرض بين البلدان الحديثة، ذلك التقسيم البغيض، بقيت أسماء الحضارات شاهدةً على المجد الإنساني، لا تُختزل في خرائط ولا تُنسى في كتب، فالحضارة الرومانية مثلًا هي حضارة إيطاليا القديمة، ورغم أن آثارها تتناثر في العالم من تونس إلى الأردن، إلا أن المسرح الروماني أينما وُجد ظل يحمل اسمه الأصلي، وكذلك بابل التي ما زال اسمها يسطع رغم تغير الزمان والمكان، فلا أحد يقول “العراق القديمة” بل يقول بفخر: بابل.
وعلى ضفاف النيل العظيم حيث وُلد أول حبرٍ وارتفع أول معبدٍ نحو السماء، قامت حضارةٌ من أعرق ما عرفه التاريخ (حضارة وادي النيل)، التي ضمّت بين جناحيها حضارتي (كيميت) و (كوش ) العظيمتين، كيميت، وتعني (أرض السواد)، إشارة إلى خصوبة تربتها المتعكسة على بشرة اهلها ، قامت حوالي 3100 قبل الميلاد فتأسست أول دولة مركزية في التاريخ الإنساني، سارت كيميت بثبات نحو الخلود عبر عصورها العتيقة والقديمة والوسطى والحديثة، وأنجبت ملوكًا وملكاتٍ خلدهم التاريخ مثل خوفو وحتشبسوت ورمسيس الثاني.
وشيّدت الأهرامات والمعابد والمسلات التي ما زالت تتحدى الزمن، وتعاقبت عليها حضارة كوش التي ازدهرت على أرض النوبة بين السودان و مصر(حاليا) في منطقةٍ تمتد لأكثر من 1200 كيلومتر على ضفتي النيل، قامت فيها ثلاث ممالك عظيمة: كرمة (2500–1500 ق.م)، نبتة (900–270 ق.م)، و مروي (270 ق.م – 350 م)، وكان من أعظم ملوكها الملك بعانخي وطهراقا العظيم، اللذان وحّدا وادي النيل من الجنوب إلى الشمال تحت تاجٍ واحد.
كانت النوبة تُعرف بأنها (أرض السود)، و قد كانت ولا تزال الأرض الخصبة الغنية بالذهب، إذ سماها الكيميتيين (نوب) أي الذهب، فكانت مركزًا لتجارة المعادن والأحجار الكريمة، وفيها شُيّدت أهرامات مروي و نوري، وجبل البركل شاهدةً على براعة المعمار الكوشي الذي ترك ملامحه و لونه في كل قطعة أثرية.
فقد كانت الحضارتان امتداد لشعب الجنوب العظيم، لكن التاريخ لم يكن رحيمًا دائمًا، ففي ستينيات القرن العشرين، وتحديدًا عام 1964م، حين أُقيم السد العالي في أسوان، غرقت قرى النوبة العريقة في شمال السودان تحت مياه النيل كان المشهد مؤلمًا؛ بيوتٌ تُغمر أمام العيون، وأشجار النخيل تنحني مودّعةً موطنها الأخير، ونساءٌ يودعن بلهجةٍ تكسوها الدموع أرض الأجداد.
هُجّر النوبيون قسرًا إلى مناطق بعيدة داخل مصر، أو قرى أخرى بالسودان تاركين خلفهم حضارةً عمرها آلاف السنين، غرقت قرى مثل فرس وقسطل ودكة ووادي السبوع، ومعها غاصت معابد وتماثيل ونقوش تشهد على امتداد حضارة كوش وكيميت هناك في وادي النيل ورغم الألم، فإن التاريخ لا يغرق، فقد بقيت المعابد التي نُقلت شمالا حجراً حجراً، مثل معبد أبو سمبل وفيلة أو آلالف القطع الأثرية لتؤكد أن هذا الوادي كان وطنًا لحضارةٍ واحدةٍ مشتركةٍ، تتنفس الفن والعظمة.
تعلّمتُ في الإعدادية أن ما نسمّيه (الحضارة الفرعونية) إنما هو اسمٌ غير دقيق، فالفرعون لقبٌ لحاكم من حُكام كيميت، لا اسم حضارة بأكملها، كيف يُختزل تاريخ كيميت وكوش، الممتد لآلاف السنين، في اسم شخص؟! وعندما أُعيدت مراجعة المناهج لاحقًا، فهمنا أن كلمة “القديمة” لا تعني هوية، بل تشير فقط إلى عصرٍ زمنيٍ سابق، أما الهوية، فاسمها خالد هو (كيميت) و(كوش)، حضارة السواد والنيل والذهب، (طيبة) العاصمة التي لم تُتمزّق بحدودٍ ولا تُغرق بمياهٍ، لأن الحضارة الحقيقية لا تموت، بل تُعيد ولادتها في الذاكرة والفن والإنسان.
فلنحتفِل إذن بهذه الحضارة الممتدة من النوبة إلى الجيزة، حضارةٍ كانت رمزًا للوحدة بين الإنسان والطبيعة، بين النهر والأرض والسماء، ولْنُنقِذ أسمها من طيّ النسيان فهي ليست “مصر القديمة” ولا “السودان القديم”، بل حضارة (كيميت) و(كوش)، حضارةٌ وُلدت من السواد والخصوبة، وتوّجها الذهب، فاستحقت أن تُذكر للأبد.