بأحد عشر صوتا حسم مجلس الأمن، يوم الجمعة الماضي، صراع الصحراء المغربية الممتد عقودا من الزمن، بعد أن أيد مشروع القرار الأمريكي الذي يدعم مقاربة الحكم الذاتي المغربية في الصحراء، والذي ترى فيه الرباط أنه الحل الأكثر واقعية للصراع، في وقت ترفض فيه الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب المعروفة بـ (البوليساريو) هذا الطرح، وترى الحل في حق تقرير المصير للشعب الصحراوي.
وكان المغرب قد قدم إلى الأمم المتحدة قبل ثمانية عشر عاما من الآن، وتحديدا في أبريل 2007، مبادرته بشأن التفاوض لمنح الصحراء حكما ذاتيا، باعتبارها صيغة مقبولة وقابلة للتطبيق لتسوية النزاع حول الإقليم في إطار سيادة المملكة المغربية.
واعتمدت الرباط هذه المبادرة أساسا لموقفها الرسمي في أي مفاوضات ترعاها الأمم المتحدة حول الملف، بينما رفضتها “البوليساريو” ودعت في المقابل إلى إجراء استفتاء لتقرير مصير الصحراويين.
المسيرة الخضراء.. عودة الصحراء إلى الوطن
ويأتي قرار مجلس الأمن في لحظة محورية، حيث يتزامن مع الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء، في السادس من نوفمبر العام 1975، وهي حدث تاريخي فريد من نوعه، تجسدت فيه إرادة الشعب المغربي في استرجاع أراضيه الجنوبية من الاستعمار الإسباني. كانت هذه المسيرة السلمية، بقيادة الملك الراحل الحسن الثاني، بمثابة ملحمة وطنية شارك فيها 350 ألف مواطن مغربي، متسلحين بالمصاحف والأعلام الوطنية.
وفي خطابه الموجه إلى الأمة بتاريخ 24 أكتوبر 1975، قبل انطلاق المسيرة، أكد الملك الحسن الثاني قوة الحجج التاريخية والقانونية والبشرية للمغرب، وقال “هذه هي مسيرتنا شعبي العزيز، هذه مسيرتنا منذ سنة ونحن نخطط ونحن نرسم ونحن نجمع الحجج تلو الأخرى، الحجج التاريخية والقانونية والبشرية ونحن نحاول أن نفتح الأذهان والأفكار للعالم بأسره حتى يقتنع من قوة حججنا وحتى يؤمن بحقوقنا”.
وبعدها، في الخامس من نوفمبر 1975 بمدينة أكادير، وجه خطابا للمتطوعين قال فيه “شعبي العزيز، غدا إن شاء الله ستخترق الحدود، غدا إن شاء الله ستنطلق المسيرة، غدا إن شاء الله ستطؤون أرضا من أراضيكم وستلمسون رملا من رمالكم وستقبلون أرضا من وطنكم العزيز”.
ونجحت المسيرة الخضراء في تحقيق أهدافها؛ حيث أدت إلى توقيع اتفاقية مدريد التي أنهت الوجود الإسباني في المنطقة، وأعادت الصحراء إلى السيادة المغربية، هذه الملحمة السلمية لم تكن مجرد استعراض للقوة الشعبية، بل كانت تعبيرا عن التلاحم القوي بين العرش والشعب، وأكدت قدرة المغاربة على رفع التحديات بالطرق السلمية والحضارية.
المبادرة المغربية للحكم الذاتي
تعتبر المبادرة المغربية للحكم الذاتي في الصحراء، التي قدمها المغرب إلى الأمم المتحدة في أبريل 2007، حجر الزاوية في الحل السياسي الذي يقترحه المغرب لإنهاء النزاع الإقليمي، وتهدف هذه المبادرة إلى منح الإقليم حكما ذاتيا موسعا تحت السيادة المغربية، مع ضمان المشاركة الكاملة لسكان الصحراء في إدارة شؤونهم المحلية.
ومنذ طرح المبادرة أعربت العديد من الدول والمنظمات الدولية عن دعمها لها، معتبرة إياها “جدية وذات مصداقية” و “الأساس الأكثر واقعية” لتسوية النزاع، ومن بين هذه الدول إسبانيا، الولايات المتحدة، فرنسا، ألمانيا، هولندا، وبلجيكا، بالإضافة إلى دول أخرى أعضاء في الاتحاد الأوروبي ومجلس الأمن.
تنص المبادرة المغربية على إقامة حكم ذاتي شامل في الصحراء ضمن السيادة المغربية، مع الحفاظ على الخصوصيات الثقافية والاجتماعية لسكان الإقليم، بحيث تمنح المنطقة مؤسسات محلية منتخبة ديمقراطيا تتولى إدارة شؤونها التشريعية والتنفيذية والقضائية. وتتمتع هذه المؤسسات بصلاحيات واسعة تشمل مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إضافة إلى إدارة البنية التحتية والتعليم والصحة والبيئة.
كما تضمن المبادرة حصول الإقليم على حصته العادلة من الموارد الطبيعية المحلية مع مساهمته في الميزانية الوطنية، إلى جانب تمثيل سكان الصحراء في المؤسسات الوطنية المغربية بما في ذلك البرلمان، مع توفير ضمانات دولية تكفل احترام حقوق الإنسان ووضع آلية دولية لمتابعة تنفيذ بنود الحكم الذاتي.
الرؤية الملكية لمستقبل الصحراء.. ثوابت الموقف المغربي
تعتبر قضية الصحراء بالنسبة للمغرب قضية وجودية وليست قضية حدود، وقد ترسخت هذه الرؤية في خطابات الملكين الراحل الحسن الثاني والملك محمد السادس. ففي العديد من المناسبات، أكد الملك الحسن الثاني على أن الصحراء جزء لا يتجزأ من التراب المغربي، وأن المغرب لن يتنازل عن شبر واحد من أراضيه.
هذه الثوابت تجسدت أيضا وبشكل واضح في خطابات الملك محمد السادس، الذي أكد مرارا أن المبادرة المغربية للحكم الذاتي هي الحل الوحيد والأوحد لهذا النزاع الإقليمي المفتعل، وأنها تستند إلى الشرعية التاريخية والقانونية، “وأن المغرب ينظر إلى علاقاته الخارجية من خلال عدسة موقفه من قضية الصحراء”، كما جاء في أحد التصريحات الملكية؛ ما يؤكد الأهمية القصوى لهذه القضية في السياسة الخارجية للمملكة.
قرار مجلس الأمن.. تحول نحو دعم الحكم الذاتي
ودون شك فإن هذا القرار يمثل تحولا نوعيا في مسار أطول نزاع إقليمي عرفته القارة الإفريقية، إذ لم يعد الحكم الذاتي مجرد مبادرة مغربية مطروحة على طاولة النقاش، بل بات صيغة دولية تحظى بشرعية أممية ضمنية، بعد أن تبناها مجلس الأمن والقوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وفرنسا، كإطار عملي واقعي لإنهاء الأزمة.
هذا التحول يعكس انتقال المجتمع الدولي من مرحلة إدارة النزاع إلى مرحلة البحث عن تسوية واقعية ومستدامة، بعدما أثبتت عقود من المفاوضات أن خيار الاستفتاء بات غير قابل للتطبيق من الناحية العملية؛ بسبب الخلافات الجوهرية حول من يحق له التصويت وحدود الإقليم المعني.
ففي حين ظل خطاب (البوليساريو) متمسكا بشعار (تقرير المصير)، استطاع المغرب أن يحول مقاربته من الدفاع إلى الهجوم الدبلوماسي، معززا طرحه بخطوات سياسية وتنموية ملموسة في الأقاليم الجنوبية، جعلت الحكم الذاتي واقعا قائما قبل أن يكون قرارا أمميا.
ولا شك في أن تصويت 11 دولة لصالح القرار يعكس اتجاها دوليا واضحا نحو تأييد الحل المغربي باعتباره الأكثر اتزانا واستقرارا، فالمجتمع الدولي لم يعد يرى في الصحراء المغربية “قضية تصفية استعمار”، بل نزاعا إقليميا يتطلب تسوية سياسية ضمن سيادة المغرب ووحدته الترابية.
وهو ما تؤكده الصيغة الجديدة للقرار، التي تخلت عن المصطلحات القديمة ذات الطابع الانقسامي، واستبدلتها بمفردات توحي بالحل الواقعي والعملي، في إشارة ضمنية إلى أن مجلس الأمن بات يتعامل مع المبادرة المغربية بوصفها المرجعية الوحيدة الممكنة.
ويعكس هذا القرار ثمرة سياسة خارجية مغربية متوازنة اعتمدت على ثلاث ركائز أساسية: التحرك الميداني عبر مشاريع تنموية كبرى في العيون والداخلة؛ ما أعطى للإقليم وجها جديدا مزدهرا، والتحرك الدبلوماسي بتوسيع شبكة الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء؛ إذ فتحت أكثر من 30 دولة قنصلياتها في الأقاليم الجنوبية، وأخيرا التحرك القانوني والسيادي بإرساء مؤسسات محلية منتخبة، تمارس صلاحياتها في ظل النموذج المغربي للحكم الذاتي.
هذا المزيج جعل المغرب فاعلا لا ينتظر الحل من الخارج، بل يصنعه على الأرض، مقدما نموذجا في الاستباق السياسي، وهو ما عزز مصداقية طرحه أمام المجتمع الدولي.
وأخيرا فإن اعتماد مجلس الأمن للصيغة المغربية لا يعد انتصارا دبلوماسيا للمغرب فحسب، بل تتويجا لمسار طويل من الصبر والعمل الهادئ. لقد كسبت الرباط معركتها الكبرى حين جعلت مشروعها الوطني خيارا دوليا، وحين أقنعت العالم أن الاستقرار الإقليمي يبدأ من الاعتراف بالحقائق على الأرض، لا من التمسك بالشعارات القديمة.
وهكذا، لم يكن قرار مجلس الأمن نهاية الصراع بقدر ما هو بداية مرحلة جديدة عنوانها الحكم الذاتي في ظل السيادة المغربية.. حل للسلام والتنمية لا للتقسيم والخصام.
ودون شك فإن هذا القرار يمثل تحولا نوعيا في مسار أطول نزاع إقليمي عرفته القارة الإفريقية، إذ لم يعد الحكم الذاتي مجرد مبادرة مغربية مطروحة على طاولة النقاش، بل بات صيغة دولية تحظى بشرعية أممية ضمنية، بعد أن تبناها مجلس الأمن والقوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وفرنسا، كإطار عملي واقعي لإنهاء الأزمة.
هذا التحول يعكس انتقال المجتمع الدولي من مرحلة إدارة النزاع إلى مرحلة البحث عن تسوية واقعية ومستدامة، بعدما أثبتت عقود من المفاوضات أن خيار الاستفتاء بات غير قابل للتطبيق من الناحية العملية؛ بسبب الخلافات الجوهرية حول من يحق له التصويت وحدود الإقليم المعني.
ففي حين ظل خطاب “البوليساريو” متمسكا بشعار “تقرير المصير”، استطاع المغرب أن يحول مقاربته من الدفاع إلى الهجوم الدبلوماسي، معززا طرحه بخطوات سياسية وتنموية ملموسة في الأقاليم الجنوبية، جعلت الحكم الذاتي واقعا قائما قبل أن يكون قرارا أمميا.
ولا شك في أن تصويت 11 دولة لصالح القرار يعكس اتجاها دوليا واضحا نحو تأييد الحل المغربي باعتباره الأكثر اتزانا واستقرارا، فالمجتمع الدولي لم يعد يرى في الصحراء المغربية “قضية تصفية استعمار”، بل نزاعا إقليميا يتطلب تسوية سياسية ضمن سيادة المغرب ووحدته الترابية.
وهو ما تؤكده الصيغة الجديدة للقرار، التي تخلت عن المصطلحات القديمة ذات الطابع الانقسامي، واستبدلتها بمفردات توحي بالحل الواقعي والعملي، في إشارة ضمنية إلى أن مجلس الأمن بات يتعامل مع المبادرة المغربية بوصفها المرجعية الوحيدة الممكنة.
ويعكس هذا القرار ثمرة سياسة خارجية مغربية متوازنة اعتمدت على ثلاث ركائز أساسية: التحرك الميداني عبر مشاريع تنموية كبرى في العيون والداخلة؛ ما أعطى للإقليم وجها جديدا مزدهرا، والتحرك الدبلوماسي بتوسيع شبكة الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء؛ إذ فتحت أكثر من 30 دولة قنصلياتها في الأقاليم الجنوبية، وأخيرا التحرك القانوني والسيادي بإرساء مؤسسات محلية منتخبة، تمارس صلاحياتها في ظل النموذج المغربي للحكم الذاتي.
هذا المزيج جعل المغرب فاعلا لا ينتظر الحل من الخارج، بل يصنعه على الأرض، مقدما نموذجا في الاستباق السياسي، وهو ما عزز مصداقية طرحه أمام المجتمع الدولي.
وأخيرا فإن اعتماد مجلس الأمن للصيغة المغربية لا يعد انتصارا دبلوماسيا للمغرب فحسب، بل تتويجا لمسار طويل من الصبر والعمل الهادئ. لقد كسبت الرباط معركتها الكبرى حين جعلت مشروعها الوطني خيارا دوليا، وحين أقنعت العالم أن الاستقرار الإقليمي يبدأ من الاعتراف بالحقائق على الأرض، لا من التمسك بالشعارات القديمة.
وهكذا، لم يكن قرار مجلس الأمن نهاية الصراع بقدر ما هو بداية مرحلة جديدة عنوانها الحكم الذاتي في ظل السيادة المغربية.. حل للسلام والتنمية لا للتقسيم والخصام.
–
عن صحيفة (البلاد) البحرينية