الرئيسية / أخبار / أذربيجان.. من ذهب النفط إلى آفاق التنويع الاقتصادي

أذربيجان.. من ذهب النفط إلى آفاق التنويع الاقتصادي

تقرير البحرين/باكو/ تقف أذربيجان اليوم عند نقطة تحول فارقة في تاريخها الاقتصادي الحديث. هذه البلاد التي كانت تُعرف لعقود بثروة النفط والغاز أصبحت تسعى بثبات إلى إعادة تعريف ذاتها بوصفها اقتصادًا متنوعًا ومفتوحًا على المستقبل. فمنذ استقلالها في أوائل التسعينيات، اعتمدت أذربيجان على قطاع الطاقة كركيزة رئيسية لبناء الدولة الحديثة، إذ شكّل النفط أكثر من ثمانين في المئة من عائدات التصدير، فكان المصدر الأول لتمويل البنية التحتية والمشروعات الوطنية الكبرى. ومع مطلع الألفية، بدأت باكو في تحويل عائداتها إلى مشاريع تنموية كبرى أعادت رسم ملامح العاصمة وحولتها إلى مركز حضاري متألق على ضفاف بحر قزوين، يجمع بين الحداثة الأوروبية والعراقة الشرقية في لوحة واحدة نابضة بالحياة.

لكنّ القيادة الأذرية أدركت مبكرًا أن الاعتماد المفرط على النفط لا يمكن أن يصنع مستقبلًا مستدامًا، وأن التحدي الحقيقي يكمن في تنويع الاقتصاد وبناء قاعدة إنتاجية متينة. من هنا انطلقت رؤية “أذربيجان 2030” التي وضعت هدفًا استراتيجيًا يتمثل في نقل البلاد من مرحلة الريع إلى مرحلة الإنتاج، وتعزيز القطاعات غير النفطية كالزراعة والسياحة والتقنية الحديثة. وقد بدأت نتائج هذا التحول تظهر بوضوح خلال السنوات الأخيرة؛ إذ سجّل الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي نموًا متسارعًا تجاوز تسعة في المئة في بعض الأعوام، بينما تراجع الاعتماد النسبي على قطاع النفط، ما يعكس تغيرًا بنيويًا في طبيعة الاقتصاد الأذري.

الزراعة كانت أول القطاعات التي استعادت حضورها بقوة في المشهد الاقتصادي، فالتربة الخصبة والمياه المتدفقة من أنهار القوقاز شكلت قاعدة مثالية لإنتاج الحبوب والفواكه والخضروات التي تجد طريقها إلى أسواق روسيا وتركيا ودول الخليج. وفي موازاة ذلك، برزت السياحة كمورد متجدد يقدّم للزائرين تجربة تجمع بين الجبال الثلجية والشواطئ الدافئة والمدن التاريخية العريقة. فالعاصمة باكو لم تعد فقط مركزًا للطاقة، بل أصبحت مدينة عالمية تحتضن المؤتمرات والفعاليات الرياضية والثقافية، وتنافس كبريات العواصم الإقليمية في بنيتها التحتية العصرية وخدماتها الفندقية.

وفي الوقت ذاته، لم تتخلّ أذربيجان عن دورها المحوري في أسواق الطاقة العالمية. فمشروع “الممر الجنوبي للغاز” جعل منها شريانًا رئيسيًا لإمداد أوروبا بالغاز الطبيعي، وهو ما عزز مكانتها الجيوسياسية والاقتصادية على السواء. هذا المشروع لم يكن مجرد إنجاز فني أو هندسي، بل خطوة استراتيجية رسخت موقع البلاد كجسر طاقة بين الشرق والغرب، وفتحت أمامها آفاقًا أوسع لتوظيف عائدات الطاقة في تنمية القطاعات الناشئة.

ومع توسع مشاريع البنية التحتية والنقل، أصبحت أذربيجان حلقة وصل رئيسية في الممر التجاري العابر للقارات المعروف باسم “باكو – تبليسي – قارص”، الذي يربط الصين بأوروبا عبر آسيا الوسطى. هذه المكانة الجغرافية الفريدة منحتها فرصًا لتصبح مركزًا لوجستيًا وميناءً بريًا للتجارة الإقليمية، خاصة مع تطوير الموانئ الحديثة على بحر قزوين وخطوط السكك الحديدية العابرة للحدود.

ولا يقتصر طموح أذربيجان على الاستثمار في الحاضر فقط، بل يمتد إلى المستقبل من خلال الدخول بقوة في مجالات الطاقة المتجددة. فقد بدأت الدولة تنفيذ مشاريع ضخمة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بشراكات مع شركات عالمية من الإمارات والسعودية، في خطوة تعبّر عن وعي عميق بأهمية التحول نحو الاقتصاد الأخضر. كما تتجه باكو إلى بناء اقتصاد رقمي يقوم على المعرفة، مستفيدة من جيل جديد من الشباب المتعلم الذي تخرّج من جامعات محلية وعالمية، ويقود اليوم مبادرات الابتكار وريادة الأعمال في مجالات التقنية والإعلام والاتصالات.

ومع كل هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال هناك تحديات تحتاج إلى معالجة، مثل التفاوت في التنمية بين العاصمة والمناطق الريفية، والحاجة إلى تعزيز الشفافية وتوسيع دور القطاع الخاص. غير أن الإرادة السياسية والرؤية المستقبلية الواضحة تجعل من أذربيجان نموذجًا ملهمًا في قدرتها على الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المنتج، ومن الاعتماد على الموارد الطبيعية إلى الاستثمار في الإنسان والمعرفة.

إن المتابع لتجربة أذربيجان يلمس بوضوح كيف استطاعت هذه الدولة الصغيرة في مساحتها، الكبيرة في طموحها، أن توازن بين أصالتها وتاريخها الإسلامي العريق وبين انفتاحها على الحداثة والتكنولوجيا، لتصنع لنفسها موقعًا متقدمًا في خارطة الاقتصاد الإقليمي. فاليوم لم تعد باكو مجرد مدينة نفطية، بل منصة اقتصادية وثقافية متكاملة تربط آسيا بأوروبا وتفتح الباب أمام التعاون مع العالم العربي والخليج خصوصًا، في مجالات الاستثمار والسياحة والطاقة المتجددة والإعلام.

بهذا المسار الهادئ الواثق، تمضي أذربيجان نحو مستقبلٍ تتقاسم فيه الأجيال القادمة ثمرة ما زرعته اليوم من رؤية، وعمل، وإصرار. فهي تبرهن أن الثروة ليست فيما تملكه من نفط وغاز فحسب، بل فيما تملكه من إرادةٍ وعقولٍ قادرة على تحويل الموارد إلى فرص، والأحلام إلى واقعٍ ملموس.