الصحافة التي يهملها الكثيرون هي مرآة المجتمعات المتحضرة، والإعلام الذي هو سلاح الصورة الذهنية للأمم يتم التقليل منه، بل والتنكيل به، نعم.. هكذا يحدث للصحافة، وهكذا يعاني الإعلام، انتقاءً وانتقادًا، إهمالاً واستغفالاً، تجاهلاً واستسهالاً، هكذا يتصور “البعض” أن الإعلام ترف أو رفاهية، كمالية أو أعباء مالية، هكذا تعتقد النخب المتراجعة في الدول المتراجعة أنها الآفة الفكرية والغيبوبة الثقافية، هي الموت السريري للحياة عندما تفقد بوصلتها، وتضيع هويتها، وتموت عزيمتها وعزتها، إنه الدنو بالقيمة، والهبوط بالمستوى، والتنازل عن العرش.
في جامعة هارفارد الأميركية أعظم الجامعات العالمية، كان رئيس هيئة الإشراف ومجلس المراقبين فيها عام 2003 هو الصحافي المعروف أندرو هايسكيل رئيس رابطة الصحافة الأميركية، كان عمره في ذلك الوقت يتجاوز الـ 87 عامًا، لم يحيلوه إلى التقاعد، لم يتقولوا عليه زورًا وبهتانًا بأنه لا يستطيع العطاء وأن وقته قد ولى.
السيدة ماري لويز كيلي محررة صحافية في صحيفة Crimson News، وكانت في الوقت ذاته مذيعة في شبكة قنوات إن.بي.آر الأميركية، تم اختيارها هذه السنة 2025 عضوًا في هيئة المشرفين على جامعة هارفارد الأميركية المصنفة الأولى عالميًا، لم يقل أحد عنها إنها صحافية والأولوية لابد أن تكون للأكاديميين وحدهم.
هكذا هي الحياة في الدول المتقدمة، وتلك هي القيمة المضافة في الدولة الأعظم تكنولوجيًا وعلميًا وتنمويًا ومعرفيًا، وهكذا نتباهى في كتاباتنا بتلك الرافعة الجامعية العلمية الرائدة التي يتجاوز عمرها الـ 389 عامًا.
بينما نجد في بلادنا العربية جامعات لا تتجاوز أعمارها العشر أو العشرين سنة نجدها متعالية على الناس، لا تعترف بالصحافة، ولا تحترم أجهزة الإعلام، تمضي في طريقها من دون قدرة أو مثل أو أنموذج يحتذى، لم يحدث أن إعلاميًا أو صحافيًا قد تم اختياره في مجالس أمناء هذه الجامعات، بل إن بعض الأكاديميين الذين لم يكتبوا سطرًا في صحيفة، ولم يظهروا لثانية واحدة على شاشة فضائية، نجدهم ينظرون إلى الصحافي المحترم على أنه أقل قدرًا، رغم أن علم الإعلام ونظرياته مأخوذة أصلاً من تطبيقاته الاحترافية، من العقول النابهة الموهوبة التي برزت في هذا المجال التنويري المهم.
إحدى الأكاديميات بجامعة معروفة تعتقد أن تطبيقات الإعلام أو الصحافة هي عامل مساعد لنظرياته، وأن الصحافي الذي يقوم بتدريب الطلاب على الصحافة الاحترافية أو الإعلام التطبيقي مجرد عامل مساعد للأكاديمي المختص، “تكنيشين” ليس إلا.
الآن هذه النظرة الأكاديمية صارت متفشية في مجتمعاتنا، خريجوا الإعلام في كلياتنا يدرسون أربع سنوات في مرحلة البكالوريوس وثلاث سنوات في مرحلة الماجستير، وربما مثلها لنيل درجة الدكتوراه الأكاديمية، وفي النهاية يأتي إلينا هذا الأكاديمي ليقول لنا علموني جزاكم الله كل خير أي شيء عن كيفية كتابة الخبر الصحافي، وإذا ما كان الحوار الصحافي هو الحديث الصحافي أم هناك فرق!.
* كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية
عن صحيفة (البلاد) البحرينية