في الأيام القليلة الماضية، شهد متحف اللوفر في باريس واحدة من أكثر عمليات السرقة جرأة في تاريخه، حين اقتحم لصوص محترفون صالة (غاليري أبولون) وسرقوا مجوهرات التاج الفرنسي التي تعود إلى حقبتي الإمبراطورية والثورة، هذا الحدث يدعونا إلى التوقف عند تاريخ هذا الصرح العظيم، وعلاقته القديمة بمسألة النهب والسرقة، ليس فقط من داخله، بل من تاريخه الطويل في جمع كنوز الشعوب عبر الاستعمار. ثم نعود لاحقًا إلى تفاصيل ما سُرق، ونسأل في النهاية: هل ما زالت آثار العالم في أمان داخل اللوفر، أم آن الأوان لتسترجع الدول ما سُلب منها قبل أن يسرق اللصوص ما تبقّى؟.
بدأ اللوفر في أصله قلعة دفاعية، بُنيت على ضفة نهر السين في باريس بأمر الملك فيليب أوجست عام 1190 لحماية العاصمة من الغزوات، بعد ذلك تحولت إلى قصر ملكي في القرن الرابع عشر، ثم في القرن السادس عشر أمر الملك فرانسوا الأول بإعادة بنائه كقصر فخم على أنقاض القلعة القديمة، ليبدأ المعماري بيير ليسكو في تشييد أحد أروع المعالم المعمارية في أوروبا، ومع انتقال الحكم إلى قصر فرساي عام 1682، فقد اللوفر دوره كقصر ملكي، إلى أن جاءت الثورة الفرنسية عام 1793 فأعلنت تحويل القصر إلى متحف للشعب، ليُفتح للجمهور لأول مرة في 10 أغسطس من العام نفسه، حاملاً بين جدرانه نحو 537 لوحة من ممتلكات العائلة الملكية والكنيسة.
واليوم يُعد اللوفر من أهم المتاحف في العالم، ويضم أكثر من 30 ألف عمل معروض من أصل ما يقارب نصف مليون قطعة محفوظة في أرشيفه، لكن خلف هذا الثراء الفني تكمن قصة استعمارية طويلة، إذ سُرقت أو نُقلت كثير من التحف من بلدان الشرق وأفريقيا إلى أوروبا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، فقد استولت فرنسا على كنوز من أفريقيا، منها تماثيل مملكة داهومي (بنين الحالية)، التي أعادت منها 26 قطعة فقط عام 2021. كما تشير التقارير إلى أن نحو 90% من التراث الثقافي الأفريقي موجود خارج القارة، ومن (حضارة كيميت السودانية المصرية) والعراق جاءت قطع أثرية لا تُقدّر بثمن، كتماثيل الكوشيين و الكيميتيين ونقوش سومرية وبابلية، وصلت إلى باريس في أوقات ضعف الدول المستعمَرة أو بحجج علمية باهتة.
ينقسم متحف اللوفر في باريس إلى تسعة أقسام رئيسية: الآثار الكيميتية (المصريه السودانية) الآثار الشرقية القديمة، الآثار اليونانية والرومانية، الفنون الإسلامية، اللوحات، المنحوتات، الفنون الزخرفية، المطبوعات والرسومات، إلى جانب قسم مخصص لتاريخ المتحف نفسه، ومن أبرز ما يضمّه تمثال الكاتب الجالس من كيميت، وتمثال أفروديت (فينوس دو ميلو)، وأجنحة النصر الساموثراكي، ولوحة الموناليزا الشهيرة.
أما متحف اللوفر أبوظبي الذي افتتح عام 2017 نتيجة اتفاق ثقافي بين الإمارات وفرنسا، فيحمل رؤية مختلفة، فهو يسرد تاريخ الإبداع الإنساني عبر العصور من خلال قطع فنية من مختلف القارات والحضارات. يحتوي على نحو 6400 متر مربع من صالات العرض، مقسّمة إلى أجنحة تروي قصة الإنسان من ما قبل التاريخ إلى العصر الحديث، في مزيج فني يوحّد الثقافات بدل أن يفصلها.
أما عملية السرقة الأخيرة في باريس فكانت مادية وفنية في آن واحد، فقد دخل اللصوص إلى صالة (غاليري أبولون) في وقت الزيارة الصباحية، واستطاعوا خلال دقائق معدودة كسر نوافذ العرض وسرقة ثماني إلى تسع قطع ثمينة، بينها طوق من الياقوت والزمرّد يعود إلى الملكة ماري أمالي، وتاج للإمبراطورة أوجيني، العملية لم تستهدف لوحة أو تمثالاً، بل رموز السلطة والثراء، ما جعلها سرقة مزدوجة في معناها: مادية لما تحمله من مجوهرات باهظة، وفنية لما تمثله من تاريخ ملكي فرنسي.
يبقى السؤال في ختام القصة: هل تجد قطع العالم أمانها في اللوفر، أم آن الأوان لتستعيد الدول ما سُرق من ذاكرتها قبل أن يسرق اللصوص ما تبقى منها؟، لقد أظهرت الحادثة أن حتى أعتى المتاحف وأكثرها حراسة قد تكون هشة أمام جشع البشر، وأن العدالة الثقافية ربما تبدأ بإعادة الحق لأصحابه، قبل أن يتحول التاريخ نفسه إلى غنيمة أخرى.
