تقرير البحرين من المنامة/ في تغطياتها الواسعة لقمة شرم الشيخ للسلام أجمعـت كبريات الصحف ووكالات الأنباء العالمية على أن هذه القمة تشكّل لحظةً فارقة في تاريخ المنطقة، ومحاولة دولية جادة لإعادة هندسة التوازنات السياسية في الشرق الأوسط بعد سنواتٍ من النزاع الدامي في غزة.
فقد كتبت صحيفة (الغارديان) البريطانية في تقريرها الصادر الأحد 11 أكتوبر 2025 تحت عنوان (ترامب والسيسي يترأسان قمة شرم الشيخ للسلام بشأن غزة) أن القمة تمثل “الجهد الدولي الأكثر طموحًا منذ اتفاقات أوسلو لإحلال الاستقرار في غزة والشرق الأوسط الأوسع”، وأشارت الصحيفة إلى أنّ المنطقة تبحث اليوم عن خريطة طريق جديدة بعد سنواتٍ من الاضطراب والعنف، مضيفةً أن القادة العالميين ينظرون إلى هذا اللقاء على أنه “لحظة فاصلة، ليس لغزة وحدها، بل للنظام الإقليمي بأكمله في مرحلة ما بعد الحرب”، وأكدت الصحيفة أن استضافة مصر للقمة تُعيدها إلى صدارة المشهد الدبلوماسي في الشرق الأوسط، وتبرهن على عودة الدور الأمريكي كلاعب أساسي في بناء ترتيبات السلام.
أما وكالة (رويترز) للأنباء فقد ركّزت في تغطيتها على الطابع العملي للقمة، موضحةً أن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، إلى جانب قادة من فرنسا وتركيا وإسبانيا، سيشاركون في أعمالها التي تهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار، وإطلاق المرحلة الأولى من إعادة إعمار غزة. ونقلت الوكالة عن مصادر دبلوماسية قولها إن “هذا التجمع قد يكون نقطة تحول حقيقية إذا التزمت الأطراف الإقليمية بالإطار الجديد الذي تتصدره مصر والولايات المتحدة”، وأضافت أن النقاشات المغلقة ستركّز على مسألة الإدارة الانتقالية للقطاع، وسط تردد إسرائيلي في منح الأمم المتحدة دورًا مباشرًا في تلك المرحلة، معتبرة أن مصر تبذل جهدًا لإقناع جميع الأطراف بأن تكون العملية سياسية لا أمنية فقط.
أما في مجلة (تايم) الأمريكية جاء التحليل أوسع وأكثر عمقًا، إذ وصفت القمة بأنها “أمل حذر وبداية محتملة لنهاية عقدٍ كامل من سفك الدماء”، لكنها نبهت في الوقت ذاته إلى أن “السلام في هذه المنطقة لا يتحقق بسهولة ولا بسرعة”، وكتبت المجلة أن استضافة القمة من قبل القاهرة وواشنطن تعني أن البلدين “يستعيدان أدوارهما التاريخية كقوتين ضامنتين للاستقرار الإقليمي، فيما تتابع قوى أخرى، مثل إيران، المداولات من على الهامش”، وأوضحت أن الحدث يشكّل اختبارًا حقيقيًا لما سمّته “النظام الدولي الجديد”، لأن نتائج القمة ستحدد إلى حدٍّ بعيد شكل توازن القوى في الشرق الأوسط خلال العقد المقبل.
أما وكالة (أسوشييتد برس) الأمريكية (AP) فقد أبرزت في تغطيتها الجوانب الإنسانية والميدانية المحيطة بالقمة، مشيرةً إلى حادثٍ مأساوي أودى بحياة ثلاثة دبلوماسيين قطريين أثناء توجههم إلى شرم الشيخ، وقالت الوكالة إن “الحادث ألقى بظلالٍ حزينة على القمة الحساسة، مذكّرًا الجميع بمدى هشاشة السياق الذي تُعقد فيه هذه الاجتماعات”، وفي تقريرٍ آخر بعنوان “زعماء العالم يجتمعون في شرم الشيخ لترسيخ الهدنة في غزة”، أكدت الوكالة أن “هذه القمة يمكن أن تمهّد الطريق لهدنةٍ دائمةٍ إذا التزمت الأطراف كافة بالتعهدات الواردة في الخطة الأمريكية المكوّنة من عشرين بندًا” مضيفة أن “الجهد المشترك بين مصر والولايات المتحدة يُعتبر الأمل الأخير لتجنّب انهيار الاتفاق وعودة العنف مجددًا”.
وفي المحصلة، تتفق هذه الوسائل الإعلامية الأربع على أن قمة شرم الشيخ تمثل منعطفًا تاريخيًا في مسار القضية الفلسطينية، وأنها تُعيد القاهرة إلى موقعها التقليدي كوسيطٍ إقليميٍ محوريٍ في صناعة السلام، فيما تسعى واشنطن من خلالها إلى تثبيت حضورها القيادي في الشرق الأوسط بعد تراجعٍ دام سنوات. ورغم أن الخطاب الإعلامي الغربي تراوح بين التفاؤل الحذر والتحليل الواقعي، فإن جميع التقارير أكدت أن القمة قد تشكّل الأساس لمرحلة جديدة من العلاقات الإقليمية، إذا ما نجحت في ترجمة التعهدات إلى خطواتٍ ملموسة على الأرض. وهكذا، يظهر من التناول الإعلامي الدولي أن شرم الشيخ باتت مجددًا عاصمةً للسلام العربي، وأن العالم يترقب من أرض مصر ولادة خريطة جديدة للمنطقة، تحمل في طياتها أملاً صعبًا، لكنه ضروري، بعد عقودٍ من الدماء والانقسام.
دلالات التناول الإعلامي الغربي للقمة
من خلال قراءة متأنية في لغة التغطية الصحفية الغربية لقمة شرم الشيخ، يتضح أن الإعلام لم يركّز فقط على البعد السياسي المباشر، بل تعامل مع القمة بوصفها نموذجًا حديثًا للدبلوماسية المتعددة الأطراف التي تلتقي فيها أدوات السياسة الرسمية مع قنوات التواصل البرلماني والشعبي والإنساني. فخطاب الصحف الكبرى عكس إدراكًا متزايدًا بأن إدارة الأزمات في القرن الحادي والعشرين لم تعد حكرًا على الحكومات وحدها، بل تتشارك فيها المؤسسات البرلمانية والمنظمات الإقليمية والمجتمع المدني، وهو ما يتقاطع مع المفهوم الذي تتناوله في كتابك حول الدبلوماسية البرلمانية كأداة لبناء السلام وتثبيت الحوار بين الشعوب.
لقد أظهرت التغطيات أن مصر نجحت في استعادة دورها من خلال منهج الوساطة المرنة التي تجمع بين الحوار الرسمي والتحرك الشعبي، وبين السياسة والمبادرة الإنسانية، فيما أعادت الولايات المتحدة صياغة موقعها كطرف داعم لا مهيمن، عبر دعم المبادرات الإقليمية بدل فرض الحلول. هذا التحول في الخطاب الإعلامي يعكس تطورًا جوهريًا في نظرة الغرب إلى الدبلوماسية العربية الحديثة، التي لم تعد تقتصر على إدارة الملفات السياسية، بل أصبحت تمارس دبلوماسية ناعمة قائمة على بناء الثقة، واستخدام المنابر البرلمانية كجسور تواصل مستدامة.
وبذلك يمكن القول إن قمة شرم الشيخ للسلام لم تكن حدثًا سياسيًا فحسب، بل تجربة دولية ناضجة في الوساطة المشتركة بين الدول والمؤسسات البرلمانية والمنظمات الإنسانية، وأنّ التناول الغربي لها عزّز مفهوم الدبلوماسية البرلمانية كقوةٍ جديدة في إدارة التوازنات وصناعة السلام.